آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 12:19 ص

نبي ضد التمييز

حديث لا تنقصه الصراحة

بدر شبيب الشبيب *

﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ «34» الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «35» سورة غافر.

يستمر مؤمن آل فرعون في حواره الشائق الشائك مع قومه ليثنيهم عن قتل موسى وليدعوهم إلى الصراط المستقيم.

في هذه الآيات مصارحة ومكاشفة لهم عن واقعهم المرير وما هم فيه من ضلال، وتحليل للأسباب التي أوصلتهم إلى ذلك ليتخلصوا منها ويعودوا إلى رشدهم.

وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الداعية من وعي وبصيرة ومعرفة بواقع مجتمعه وقدرة على تشخيص أمراضه وبالتالي تقديم الوصفة العلاجية المناسبة. إذ كثيرا ما يصف بعض الدعاة الدواء قبل التشخيص السليم.

وقفات:

1 - في الآية الأولى يذكرهم بموقفهم من نبي الله يوسف الذي اجتمعت عنده السلطتان الدينية والسياسية. ومع ذلك، ومع كل ما أظهره من البينات والعدل في الرعية إلا أنهم كانوا في شك مما جاءهم به، وكانوا يضمرون الشك.

2 - ولذا كانوا يتحينون الفرصة وينتظرون وفاته ليظهروا ما أضمروه، وليتخلصوا ويتحللوا من الالتزامات الشرعية، فاخترعوا فكرة تقول بانقطاع الرسل بعد يوسف ، وأخذت هذه الفكرة مداها تنتقل من جيل إلى جيل.

إن علينا أن ننتبه لوساوس الشيطان الذي قد يزين لنا فكرة ما فنبثها ويتقبلها الآخرون وتبقى تفعل فعلها أزمانا متطاولة لتزيد الناس ضلالا وتخلفا. وما أكثر الأفكار الشيطانية التي تم بثها في الأمة وساهمت ولا تزال في تخلفها الحضاري وتقهقرها. لننتبه حين نضع حجر أساس لفكرة ما أن نتأكد منها أولا وهل هي فكرة هدى أم ضلال.

3 - تذكر الروايات كما في تفسير نور الثقلين وتفسير البرهان أنه «كان بين موسى ويوسف الأنبياء»، وفي رواية البرهان أربعمائة سنة.

4 - رغم بعد الفاصلة الزمنية بينهم وبين يوسف إلا أنهم كانوا شركاء في القول: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا. فكما عن النبي ﷺ: من شهد أمرا فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده[1] .

5 - قوله ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ تشخيص لسبب ما هم فيه، وأنهم هم السبب في ذلك نتيجة إسرافهم في المعاصي وتماديهم في الشك الذي لا يستند إلى دليل عقلي أو نقلي، فهو شك للشك، وجدال للجدال، لا لمعرفة الحق والحقيقة. وهذا النوع من الشك والجدال يمقته الله ويمقته الذين آمنوا الذين يتخلقون بأخلاق الله فيحبون ما يحب ويكرهون ما يكره.

6 - قوله ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ إشارة أخرى إلى أنهم السبب في حالة الانغلاق على الذات التي وصلوا إليها، فهم الذين حجبوا النور عن قلوبهم بتكبرهم وعدم تواضعهم للحق، وحبهم للتسلط وعدم الخضوع لسلطة الله تعالى.

7 - قوله ﴿عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ولم يقل على «لى قلب كل متكبر جبار» أي أن القلب بأجمعه قد انغلقت جميع نوافذه فلا يبصر شيئا بسبب التكبر والتجبر.

وهذا هو ديدن المتكبرين المتجبرين على طول التاريخ يظلون سادرين في الغي حتى اللحظات الأخيرة.

8 - قد يكون الإنسان جبارا من غير أن يمتلك أية سلطة.. هذا ما أوضحته الروايات عن أهل البيت . تقول الرواية: وإن الرجل ليكتب جبارا وما يملك إلا أهل بيته. أي إنه فقير معدم ومع ذلك يكتب في الجبارين. وفي رواية أخرى صحيحة: أن رسول الله ﷺ مر في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين - أي الروث - فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله، فقالت: إن الطريق لمعرض - أي عريض واسع -، فَهَم بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم: دعوها فإنها جبارة[2] . أي أنها رغم حالها الظاهري فإن في داخلها جبار.

فلنلاحظ أنفسنا بدقة، فقد تكون والعياذ بالله مشروع جبار مع وقف التنفيذ، وعندما تحين الفرصة تنكشف جباريتها على أرض الواقع.

9 - عن النبي ﷺ: «كما تكونوا يولى عليكم» [3] ، فلأن هؤلاء كانوا متكبرين جبارين كان يحكمهم متكبر جبار هو فرعون.

هكذا وصلوا إلى أن يتسلط عليهم فرعون بعد أن كانوا ينعمون بسلطة يوسف ، فهذه الآيات تختصر التاريخ لتبين كيف يحدث الانقلاب وتصل المجتمعات إلى الحضيض بسبب شكها وتهربها من المسؤولية. ولعل التذكير بيوسف ليقارنوا وضعهم الراهن مع الوضع الذي كانوا فيه حيث كان يوسف على رأس هرم السلطة.

10 - هذه هي الآية الوحيدة - كما ذهب إلى ذلك المفسرون - التي تذكر نبوة يوسف ، كما إنها الآية الوحيدة أيضا التي تكشف موقف قومه منه والشك الذي كانوا عليه رغم بيناته الواضحات.

11 - الألفاظ قد تتغير دلالاتها أحيانا، فينبغي علينا أن ننتبه لذلك، ولا نسقط الدلالات الراهنة

على الدلالة الأصلية للكلمة حين نقرأ القرآن. فكلمة «هلك» لها إيحاءاتها في عصرنا غير ما كانت عليه، حيث كانت تعني الموت. وهذا ما يؤكده القرآن بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ[4] . وقوله تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ[5] .

[1]  وسائل الشيعة، ج16، ص138
[2]  الكافي، ج2، ص309
[3]  نهج الفصاحة، ص616
[4]  القصص 88
[5]  الأنفال 42