آخر تحديث: 26 / 5 / 2019م - 2:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وقفات مع كتاب الوصول إلى الأفكار الساخنة

الإرهاب والإصلاح والديمقراطية في الوطن العربي

صادق راضي العلي *

الحديث عن الإصلاح والديمقراطية في الوطن العربي، والقضاء على حالات العنف والإرهاب بشتى صورها المتعددة، لم يعد اليوم شعاراً يُرفع على منابر الإعلام، ولم يبق مؤطراً بساحات الحوار السياسي «النخبوي» فقط، بل أصبحت الشعوب اليوم تتوق للإصلاح والحرية والديمقراطية، وشاءت بقدرتها وحراكها المستمر والمتواصل يوماً بعد يوم أن تسيطر على أكثر مفاصل الحياة اليومية في العالمين العربي والإسلامي.

هناك لعبة سياسية ترفعها الدول الدكتاتورية اليوم من أجل إدماء العقل الشعبي، ومحاولة إفشال واستئصال حالة الهيجان الجماهيري في الأمة، هذا الوتر الحساس للأسف الشديد يجد من يناصره، ويتغافل عن مسبباته ودواعيه، ليس لأن اللعبة تنطلي عليهم، ولكن للأسف الشديد لأنهم يقتاتون منه بعض الامتيازات الآنية.

وللتصدي لهذه الحالات الماكرة ينبغي أن تتسلح الأمة بسلاح الفكر الرصين، والشعور بأهمية الرأي الجمعي السلمي، فليس المهم إسقاط حاكم أو انتزاع سلطة من أحد ما، بقدر ما هو تغيير واقع، وتداول سلطة، ومشاركة اجتماعية، وحقوق وحرية تشمل كل مناحي الحياة اليومية، ولا بد للشعوب أن تعرف حقوقها وتدافع عن وجودها وكيانها بإرادة قوية جامحة، لا مجال للرّهاب السياسي في فكر الإصلاح والحرية، وما ترجوه الحالة العامة اليوم هو فهم الواقع السياسي باستراتيجية مدروسة تتسم بالسلمية والحيوية، وتسيطر على كل حالات العنف التي تشوه صورة الواقع الفكري والاجتماعي في الأمة.

ضمن كتابه «الوصول إلى الأفكار الساخنة» وعبر لقاء أجراه معه مسؤول تحرير مجلة وشبكة النبأ المعلوماتية، أفرد الشيخ الدكتور عبدالله أحمد اليوسف فصلاً مهماً جاء بعنوان «الإرهاب والإصلاح والديمقراطية» منوهاً فيه بشفافية إلى مكامن العنف والإرهاب، وداعياً من خلاله إلى الإصلاح والحرية في العالمين العربي والإسلامي. ركز فيه بشكل جلي وواقع على أهم الأسباب المؤدية إلى ظاهرة العنف والإرهاب المتفشية في المجتمعات التي تسود فيها حالة الدكتاتورية والاستبداد.

وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على هذا الكتاب الجميل، نجده يتناول مجموعة من الحوارات المتنوعة، التي سبق نشرها في وسائل إعلامية مختلفة، وهي لا تتناول قضايا يومية تنتهي بانتهاء أحداثها، وإنما تناقش قضايا ثقافية وفكرية وسياسية معاصرة، لا يزال وسيبقى الجدل حولها مستمراً وساخناً.

وتشمل هذه الحوارات المتنوعة القضايا التالية:

غلاف كتاب الوصول إلى الأفكار الساخنة للشيخ اليوسف

1ـ ثقافة بناء الشخصية.

2ـ جيل الشباب والمتغيرات الجديدة.

3ـ الشباب والنهوض الحضاري.

4 ـ مجلس التعاون الخليجي من التعاون إلى التكامل.

5 ـ الإرهاب والإصلاح والديمقراطية.

6ـ الصراع بين علماء الدين والمثقفين.

7ـ قضايا المرأة المعاصرة.

كل هذه العناوين تحتاج إلى متابعة وإدراك وتأمل، ولكننا هنا سوف نسلط الضوء على أهم القضايا التي جاءت في الحوار الخاص بالإرهاب والإصلاح والديمقراطية، باعتباره مثار جدل ونقاش، أو هكذا نتصوره في ظل الثورات العربية وربيع الشعوب الإسلامية في التحرر من سطوة الدكتاتورية والاستبداد.

أشار الدكتور اليوسف في بداية اللقاء إلى نقطة مهمة أعتبرها مدخلاً للإيلاج إلى صلب الموضوع جاء فيها: بأن من أهم أسباب ممارسة العنف هو فهم بعض النصوص الدينية بطريقة خاطئة، وبعيدة عن سياقاتها ودلالاتها ومضامينها، وهذا ناتج من عدم التعمق في النصوص الدينية، وعدم أهلية من يتصدى لذلك، كما أنّ لقراءة المفاهيم الإسلامية بصورة مغلوطة أكبر الأثر في تبني خيار العنف، كما هو الحال في فهم مفهوم الجهاد، ومفهوم التكفير.

وعن كيفية احتواء حالات التطرف والإرهاب أو استئصاله جذرياً أجاب الدكتور اليوسف على هذا التساؤل بقوله:

لاحتواء التطرف والإرهاب، والقضاء عليه، لابد من معالجة أسبابه ومسبباته، ويمكن لنا أن نقترح ما يلي:

1 - وضع برنامج فكري:

يحتاج معالجة ظاهرة العنف إلى وضع برنامج فكري متكامل، يعالج الأسس الفكرية والدينية التي يرتكز عليها دعاة العنف، ويوضح بجلاء حقيقة المفاهيم الإسلامية التي يبني عليها دعاة العنف فكرهم، ولا بد من تصدي كبار العلماء والفقهاء لمعالجة هذه المشكلة الخطيرة، كما أن من المهم للغاية تشجيع قيم وثقافة الحوار والتسامح، والتحلي بأخلاقيات الاختلاف، واحترام التنوع المذهبي والديني والعرقي.

2 - الإصلاح الشامل:

يحتاج العالمين العربي والإسلامي إلى تبني خيار الإصلاح الشامل، والذي من أهم مرتكزاته إشاعة الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة، وفصل السلطات الثلاث، وسيادة القانون أمام الجميع، وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للثروات، فمثل هذا الإصلاح سيساهم في صنع أجواء من القدرة على التعبير عن الرأي من دون خوف أو قلق، وسيكون الجميع تحت طائلة المحاسبة والمراقبة وهو ما يساهم في تبني خيار الحوار بدلاً من العنف.

3 - العدل العالمي:

إنّ تبني المجتمع الدولي لسياسة العدل العالمي، وحل المشكلات القائمة بميزان العدل، وتطبيق القانون على قدم المساواة، ومساعدة الدول الفقيرة، واحترام إرادة الشعوب، كل ذلك سيخلق شعوراً بالمساواة والعدل، وسيقلل من العنف.

وعند سؤال سماحة الشيخ اليوسف عن أسباب أن العالم العربي والإسلامي لا يتقبل عملية الإصلاح إلا بوجود ضغوط خارجية قوية؟ وهل بالإمكان قيام الشعوب العربية والإسلامية بحركة الإصلاح دون التدخل الخارجي؟

أجاب عليه الدكتور اليوسف في معرض حديثه بقوله:

يبدو لي أنّ السبب يكمن في قدرة الدول الكبرى على فرض خياراتها على الدول الأخرى خصوصاً في ظل التأثير أحادي القطبية المتمثل حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، والذي تمتلك أدوات مختلفة كالعولمة السياسية والاقتصادية، ومطرقة مجلس الأمن، والاستفادة من الثغرات الموجودة في المجتمعات الإسلامية، وغياب الديمقراطية.

أما فيما يرتبط بالشق الثاني من السؤال فيمكن القول: من الناحية النظرية يمكن الإجابة بالإجاب، ولكن من الناحية التطبيقية المسألة في غاية الصعوبة، لأن الشعوب الإسلامية بصورة عامة إلا فيما استثني، تعاني من شدة الممارسات القمعية تجاه أية مطالبة بالإصلاح والتطوير والديمقراطية، كما لا توجد مؤسسات مدنية فاعلة، كما أنّ لغياب الحريات العامة أكبر الأثر في ضعف التحرك الجماهيري الواسع الذي يمكنه فرض خياراته على السلطات الحاكمة، وبناء على هذا قد يكون من المفيد ممارسة الضغوط من الدول الكبرى لتحريك المياه الراكدة، مع التأكيد على رفض أية تدخلات تحمل أجندة ذات أهداف إستراتيجية لا تتطابق مع المصلحة العامة للمسلمين.

ومن أجل نجاح الممارسة الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي يقول الدكتور اليوسف نحتاج إلى ما يلي:

1 - نشر الثقافة الديمقراطية:

إنّ أية ممارسة عملية ناجحة بحاجة لتوليد ثقافة نظرية مقنعة، وهذا بدوره يتطلب نشر برنامج تثقيفي يوضح للناس واجباتهم وحقوقهم، وأهمية بسط الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة... وغير ذلك كثير من المفردات في الثقافة الديمقراطية التي يجب نشرها في مجتمعاتنا الإسلامية.

2 - التدرج في خطوات الإصلاح:

إن الانتقال المفاجئ من حالة الاستبداد إلى الديمقراطية قد يوجد مشاكل جديدة، ولذلك من المفيد للغاية التدرج الحقيقي والسريع في عملية الانتقال من الديكتاتورية للديمقراطية، ولكن ما نلاحظه في بعض الدول هو استخدام التدرج كعنوان لعدم إحداث أي شيء حقيقي، وللمماطلة على أمل أن تتغير الظروف الضاغطة لأي إصلاح ديمقراطي.

ليختم الدكتور اليوسف اللقاء بالإجابة على سؤال محوري ومثار جدل وجهه مدير اللقاء حول وجهة نظره في أن يكون الإصلاح من الداخل أو من الخارج، وعن النتائج المتوقعة المترتبة على الإصلاح من الخارج.

يقول الدكتور اليوسف في إجابته على هذا السؤال: بأن الإصلاح من الداخل يعبر عن الحاجات الحقيقية للمجتمعات الإسلامية، كما أنه ينسجم مع قناعات وقيم المجتمع الإسلامي، أما الإصلاح القادم من الخارج فقد يكون أداة لتحقيق أهداف سياسية غير منسجمة مع تطلعات وطموحات المسلمين، وهنا مكمن الخطورة.

ثمة نقطة جديرة بالملاحظة: وهو وجوب التفريق بين الضغوط التي قد تمارسها الدول المؤثرة لإحداث تحول ديمقراطي في العالم الثالث وهو ما سيفيد المجتمعات الرازحة تحت نير الدكتاتورية، وبين التدخل السافر عبر الاحتلال أو ما أشبه مما يعكس أجندة خفية خاصة بتلك الدول الطامعة.

شيء آخر لا بد من التركيز عليه وهو التداخل الشديد في عالم اليوم بسبب العولمة الاقتصادية، والمصالح المتبادلة، وتأثير الفضائيات وغيرها من وسائل الاتصال المختلفة المؤثرة، وتقلص السيادة الوطنية لصالح التأثير المعولم، لذلك بات الجميع يتحدث عن الإصلاح تحت هذا التأثير المتزايد يوماً بعد آخر، لذلك نأمل أن تبادر الدول الإسلامية لتبني خيار الإصلاح من الداخل قبل أن يفرض عليها من الخارج وبشروط وأهداف خفية، ولات حين مندم!!

الأحساء - الرميلة