آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 3:53 م

خيرة الله دوماً أجمل من أمانينا

حسام رمزي آل إبراهيم

صعقني كما صعق جميع زملائي ذاك الخبر الذي وصلنا عبر البريد الإلكتروني والذي مفاده أن رئيس دائرتنا قد تغير! بعد قراءتي للبريد الإلكتروني كنت أشعر بالإستياء قليلاً فطالما سمعت من زملائي أن أمثال هذا الشخص نادرين، بل هم فعلاً قالوها بصريح العبارة ”أبو عبد الله لن يتكرر!“. لطالما حدثوني أنه لم يمر عليهم رئيسٌ مثل هذا وربما لن يمر أيضاً. لأكون صريح أنا لم أفهمهم كثيراً لأني لم أجرب رئيساً غيره ولأني أرفض أن يكون لشخص واحد كل هذا التأثير على بيئة العمل. أظن أنه طالما كنت أقوم بعملي ومسؤلياتي على أكمل وجه فيفترض أن لا أكترث كثيراً بمن هو رئيس الإدارة ولكن حديثهم المستمر عن الرؤساء السابقين ومواقفهم السيئة معهم بدأ يؤثر علي وبدأت أشعر أن هناك تأثير للرئيس أنا لا أفهمه لأني غير قادر على أن أقوم بأي مقارنة. لكن ما اتضح لي من حديثهم أن عملك وان كانت ثماره واضحة إلا أن نظرة الرئيس له المستندة على مزاجه وأخلاقه وتطلعاته هي ما يهم. ما عساك أن تفعل أمام هذا النظام السيء!

أنا فعلاً أحسست بالخطر! فالمرء عدو ما يجهل. أحساسي بالخطر ليس فقط لأن رئيساً جديداً سيأتي بل من بيئة العمل الجديدة الغير مألوفة لي التي لطالما سمعت عنها من زملائي والتي عاشوها كثيراً وتمنوا أنها دفنت ولن تعود. أنا خرجت من مكتبي برسالة لزملائي بعنوان: ”أحسن وإن لم تجز حتى بالثنا *** أي الجزاء الغيث يبغي إن همى“. ينبغي لنا أن لا نسمح بأحد من تغيير هذه البيئة ولا نكترث بتقييم شخص آخر لعملنا ففي النهاية ليس هناك أصدق من الضمير!

للأسف لم أتمكن من مجابهة حزنهم وخوفهم فجرفني تيارهم وتحولت أبيات الشعر إلى:

”رحلتَ فلا شيء يحلو لدي *** إذا ما مضيت مضى كل شيء“ وأصبحت الدائرة أشبه بالمأتم، لا نذكر فيها سوى محاسن الفقيد.

نحن قفزنا إلى الخاتمة سريعاً متناسين أننا لم نعش الواقع الجديد لنحكم بأنفسنا... باختيارنا عشنا في وهم وحزن لا أساس لهما، لكن عندما عشنا الواقع الجديد كان مختلفاً تماماً عما تصورناه وفي نظري أنه اصبح أجمل، فتجديد الدماء يجدد فينا النشاط، فعندما سئلت عن رأيي في الدوام بعد التغيير كانت الإجابة ”حي من جديد“. التغيير صار في وقته فأنا بدأت أشعر بالرتابة وقررت أن أخرج في إجازة ولكن هذا التغيير ألغى هذا المخطط فوقتي في الدوام أصبح ذا معنىً قوي من جديد وبدأت أتعلم وأستفيد وأنجز بشكل أسرع.

الرئيس الجديد خالف توقعاتنا وفاق أمانينا. لقد أزعجنا التغيير في البداية ولكن ما انتظرنا كثيراً لنعرف أن الخيرة فيما اختاره الله.

أنا أؤمن أنه حتى لو جاءنا من لا نتمنى فهو خير لنا... هنالك دائماً ثمرة قد لا تستطيع عقولنا الصغيرة أن تراها في نفس اللحظة، لكنها ستنزرع في أنفسنا على المدى البعيد. قد تأتي هذه الثمرة على شكل تطورٍ شخصي كالعمل تحت الضغط مثلاً أو القدرة على التكيف في بيئة عمل صعبة على سبيل المثال...

هي ليست المرة الأولى التي أحزن على شيء ليس لي. أذكر أني حزنت في بداية دراستي الجامعية عندما رُفِض طلب تغيير تخصصي فكان الأهل والأصدقاء يواسوني ب ”الخيرة فيما اختاره الله“ و”خيرة الله دوماً أجمل من أمانينا“. وبالفعل! ليس عليَ سوى الإنتظار لأرى أن ما كُتِبَ لي أجمل مما أردت لنفسي... فبعد رفض طلبي، قدموا لي وقالوا أن طلبي قد قُبِل ولكني أخبرتهم أني لا أنوي التغيير وطلبي الأول كان عن جهل مني وتسرع. ففي المدة بين الرفض والقبول بحثتُ وقرأت وسألت وآمن قلبي أن الخيرة فعلاً فيما اختاره الله.

ولا ينحصر الأمر على هذين الموقفين إطلاقا... فكم من مرت تمنيت ودعوت وألحيت في دعائي ولم أبلغ ما أريد ومن ثم أعلم بدون أدنى شك أن عدم بلوغي للمراد ليس إلا لخيرٍ لي. ولست الوحيد المنفرد بهذه المواقف أو بأمنياتٍ لم يبلغها ليعرف لاحقاً أن هذا الأفضل له، متأكد أنكم لو نظرتم لحياتكم لتمكنتم من تذكر موقف أو اثنين على الأقل.

«فَاِنْ أَبْطأَ عَنّي عَتَبْتُ بِجَهْلي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذي اَبْطأَ عَنّي هُوَ خَيْرٌ لي لِعِلْمِكَ بِعاقِبَةِ الاْمُورِ..»

عدم الإستجابة لكثير من أدعيتنا لا يتنافى على الإطلاق مع الوعد الإلهي ”ادعوني أستجب“. نحن لا نعلم عواقب الأمور ولا نعلم ما ادخره لنا الله وهو دائماً أفضل لنا. هذا الإيمان إن فعلاً آمنا به فهو يعطينا الإحساس بالسكينة وهو أقوى حصانة من الحزن والكآبة والسخط أو حتى عدم الرضا بالقضاء الإلهي. ولا شك بأن دعاءنا قد استُبدِلَ بما فيه خير لنا.

ولكن! تظل هناك أهداف وغايات صعبة المنال ونتمناها بكل صدق ونتمنى أن تكون خير لنا... ندعو الله في أن ننالها ونعمل جاهدين في الحصول عليها. فمن يعلم لعلنا نحصل عليها بتوفيق من الله أو لعلنا سنجني الثمار في الطريق إلى الغاية لا الغاية نفسها، في العمل وفي المحاولات لتحقيقها... لا ينبغي أن نستسلم ونتخذ من اختيار الله لنا حجة للتوقف عن ملاحقة أمنياتنا. لا أرى أن هذا يتعارض مع اختيار الله لنا، الخطأ يبدأ عندما نسمح للحزن والإستسلام والسخط وعدم الرضا بالقضاء بأن يتسلل إلينا.

دائماً ادعِ

اللهم اقض حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات

ولكن تذكر

خيرة الله دوماً أجمل من أمانينا