آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 5:12 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشيخ الفضلي يتناول النجف الأشرف في ستينيات القرن العشرين

حسين منصور الشيخ *
  • الكتاب: دليل النجف الأشرف في ستينيات القرن العشرين.. دراسة وصفية لمدينة النجف في أبعادها الدينية والعلمية والاجتماعية
  • تأليف: الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي
  • نشر: مركز الغدير للدراسات والنشر ـ بيروت
  • الطبعة: الثانية 1433ه - 2012م
  • الصفحات: 204 صفحات من القطع الوسط

صدع رسول الله ﷺ بدينه الجديد الذي أوحاه الله إليه، وذلك انطلاقًا من مكّة المكرّمة التي لمّا تكن بعدُ مدينة أو حاضرة متمدّنة كما هي عليه بعد ظهور الإسلام، ذلك أن العرب في جزيرتهم كانوا يعيشون ـ أيام بعثة الرسول ﷺ وما قبلها ـ حياتهم البدوية التي لم يتعوّدوا فيها حياة الاستقرار، لذلك كانوا لا يولون المكان الذي يستوطنونه اهتمامًا ورعاية بحيث يعمرونه بالدُّور والأسواق والمرافق ودور العبادة بالصورة التي كان عليها غيرهم في بلاد فارس أو الشام.

وهي الحالة التي تبدّلت مع اعتناقهم الدين الإسلامي، حيث ساهم العرب في تمصير العديد من المدن في الجزيرة العربية وخارجها، فأصبحت المدينة المنوّرة عاصمة للدولة الإسلامية، محتوية على جميع مقوّمات الحاضرة المتمدّنة في ذلك الوقت، فكانت «أول وظيفة أحياها رسول الله ﷺ في المكان «وظيفة المسجد» الذي كان بمثابة مركز للصلاة والعبادة، إضافة إلى كونه مركزًا سياسيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا وعلميًّا» [1] ، كما أنشأ النبي ﷺ السوق المركزية في المدينة المنوّرة، وإلى جانبها مصلّى العيد، ودار الضيافة وغيرها [2] .

وبعد المدينة المنوّرة مصّر المسلمون مدنًا عدّة، منها: الكوفة، والبصرة، وبغداد، وساهموا في إعمار العديد من المدن في الشام وفارس وما جاورهما، إلى أن انتقلوا إلى الأندلس التي تشهد آثاره الماثلة اليوم مقدار ما وصل إليه المسلمون من حضارة وتقدّم عمراني فريد.

معالم المدينة الإسلامية

عندما استوطن المسلمون العديد من الحواضر في الجزيرة العربية وخارجها كان المسجد معلمًا من أهم معالم مدينتهم الإسلامية، وكانت عنايتهم به كبيرة من الناحية العمرانية والفنية، فبعدما كانت وظيفة المحراب تقتضي أن يكون مجوّفًا بصورة دائرية بغرض تكبير صوت الإمام، تحوّلت هذه الوظيفة إلى نوع من الإبداع الفني في تشكيل محاريب المساجد وتنسيق بقية أجزاء المسجد وما يتناسب والشكل الذي يكون عليه المحراب، حيث تكثر الأقواس فيما بين أعمدة المسجد وما تحتويه من زخارف. وبموازاة ذلك تحوّلت المآذن التي كانت ضرورة لصعود المؤذّن عليها إلى أشكال معمارية فنّية تعطي صورة جمالية لا يكتمل المسجد من دونها.

كما أنَّ المسلمين أولوا عناية كبيرة بالقرآن الكريم، وهو الاهتمام الذي تولّدت منه علومٌ عرفت لاحقًا بعلوم القرآن، وفنونٌ كان في مقدّمها فنّ الخط العربي الذي نما وتطوّر في ظلّ اهتمام الخطاطين بكتابة الآية القرآنية الشريفة التي كانت تزدان بها جدران ومآذن مساجد المسلمين في شتّى البقاع، وإلى جانبها الزخارف في شِقَّيْها: النباتية والهندسية التي كانت تحيط بآيات القرآن.

لقد شكّل المسجد وما يزدان به من الآيات القرآنية معلمًا من أهم معالم العمارة في أيِّ مدينة إسلامية، وهو إذ ذاك لم يكن دارًا للعبادة فحسب، وإنما كان طوال تاريخه دارًا للعلم أيضًا، فتخرّج فيه أكابر العلماء المسلمين الذين برزوا في شتّى العلوم والفنون، فأصبحت ديارهم ومساجدهم محطًّا للدراسة والبحث والتأليف، كما هو الحال مع المدينة المنوّرة التي كان أئمة أهل البيت يجلسون في مسجد جدّهم رسول الله ﷺ ينهل منهم أصحابهم وشيعتهم، وكذلك هي البصرة والكوفة، فنشأت علوم التفسير والفقه والقراءات والنحو والصرف والفلسفة الإسلامية في أحضان هذه المساجد.

وكانت مدينة النجف الأشرف إحدى أهمّ الحواضر الإسلامية التي نمت وتطوّرت فيها كثير من العلوم الإسلامية، كان على رأسها علم الفقه في اتجاهه الإمامي، وذلك بعدما اتخذها شيخ الطائفة الشيخ الطوسي مقرًّا لإقامة درسه وبنى فيها مسجده الذي لا يزال موجودًا إلى يومنا الحاضر.

وفي هذه الحواضر العلمية الإسلامية نشأ بجانب حلقات الدرس المسجدية ودور العلم مكتباتٌ حَوَتِ العديد من المدوّنات العلمية القيّمة، إمّا تأليفًا في العلوم الإسلامية التي نشأت حديثًا، أو ترجماتٍ بعدما نشأت حركة الترجمة أيام الدولة العباسية، وكانت النجف الأشرف من الحواضر العلمية التي زخرت بالمكتبات التي عُدَّت لاحقًا من أهم معالم المدن الإسلامية العريقة.

من طبيعة المجتمعات البشرية أن تفخر بقياداتها وزعاماتها، وبخاصّة منها القيادات والشخصيات الدينية، ولم تكن المجتمعات الإسلامية بدعًا من هذه السيرة، فكانت المدينة المنوّرة تعجّ بالزائرين لقبر رسول الله ﷺ للسلام عليه والتبرُّك بالصلاة في حرمه النبوي الشريف، وفي العراق لم يفتأ المسلمون الشيعة يزورون قبور الأئمة من أهل البيت ويتبرعون لتشييد المشاهد المقدّسة حول قبورهم الطاهرة، حيث تأتي النجف الأشرف في مقدمة هذه المدن التي أولى الشيعة اهتمامًا كبيرًا في تشييد وبناء مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ، فكان أهم معلمٍ من معالم هذه المدينة المقدّسة.

مما مرَّ سابقًا، نعرف أن المسجد وما يزدان به من عمارة إسلامية مميّزة، ودُور العلم والمكتبات العامّة والمشاهد التي بنيت على أضرحة الصالحين وبعض الأوقاف الأخرى تعدُّ أهم معالم المدينة الإسلامية، وهي ما يميّزها عن بقية المدن الأخرى. وهي معالم سنجدها حاضرة في مدينة النجف الأشرف التي نحن بصدد الحديث عنها بقوّة وعراقة نادرة.

النجف الأشرف المدينة الإسلامية النموذج

لم يُعرَف قبر الإمام علي إلا في عهد الإمام الصادق ، وذلك خوفًا من بني أمية أن ينالوا من قبره الطاهر، حيث جاوره بعد ذلك بعضٌ من العلويين وخاصّة الشيعة، إلى أن توسعت النجف مع قدوم الشيخ الطوسي الذي كان الزعيم وشيخ طائفة الشيعة وفقيهها آنذاك، والمؤسس لحوزتها التي استمرّت قائمة إلى يومنا الحاضر.

وقد شكّلت النجف الأشرف ـ منذ قدوم الشيخ الطوسي إليها ـ عاصمةً دينية للمسلمين الشيعة، وذلك للثقل العلمي/ الفقهي الذي تمثّله الحوزة العلمية فيها، مضافًا إليه المكانة الدينية التي تتسنّمها لاحتضانها قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، حيث يؤمها ملايين الزوار سنويًّا.

إن هذه المدينة بما تحتضنه من مؤسساتٍ ومعالم عريقة تنضم إلى قائمة المدن الإسلامية التاريخية، وبخاصّة مع ما تمتلكه من حيوية علمية قائمة، وبما تختزنه من تراثٍ ثقافي، البعض منه مطبوع والآخر مخطوط نادر لا يوجد إلا مكتباتها، ما يكسبها قيمة حضارية تتناسب والثقل العلمي التي تضمّه بين جنباتها.

بين يدي دليل النجف

صدر «دليل النجف الأشرف» للعلامة الشيخ الدكتور الفضلي في طبعته الأولى عام 1385ه/ 1965م، وذلك بمناسبة مرور ألف عام على ولادة مؤسس حوزتها العلمية الشيخ الطوسي، وذلك في شكل دراسة وصفية لأهم معالم النجف الأشرف في جوانبها: الدينية والعلمية والتاريخية وغيرها، وحينما صدر في ذلك الوقت كان وصفًا دقيقًا لما كانت تعيشه مدينة النجف من حراك ديني وعلمي وثقافي، وبخاصّة أن المؤلف حاول أن يعطي أرقامًا وإحصائيات دقيقة في ذلك الوقت.

ويمكننا استجلاء بعض الميزات التي امتازت بها مدينة النجف من خلال ما بيّنه المؤلف واستعرضه من عناوين رئيسة وجانبية في هذا الكتاب، وهي كالتالي:

1. المكانة الدينية للمدينة

وهو الأمر الذي بيّنه جليًّا أثناء حديثه عن أهميّة النجف ومكانتها التي استمدتها من: احتضانها للحوزة العلمية، ومن المرجعية الدينية التي تتمركز فيها غالبًا، ومن النتاج العلمي والثقافي والأدبي، وكذلك لما مثلته من ثقل سياسي استطاعت من خلاله أن تدافع عن كثيرٍ من مقدّسات الأمة ضدّ المستعمر الغاصب.

2. المكانة العلمية والحضارية

لم يقتصر الشيخ الفضلي ـ أثناء استعراضه لمعالم المدينة النجفية ـ على الإشارة إلى المرقد الطاهر والحوزة العلمية، وإنما ضمّ الكتاب تعريفًا وافيًا بأهم المكتبات العامّة وما تحويه من مطبوعات قيّمة، ومخطوطات نادرة يرجع أكثرها إلى علماء الإمامية، وبعضٌ مترجم عن اليونانية، حيث أشار إلى وجود مخطوطات لبعض كتب أبقراط وإقليدس وأرسطو وغيرهم، وهي المكتبات التي كانت في معظمها أوقاف عامّة أوقفها أصحابها ليستفيد منها العامّة من الناس وبخاصّة الباحثين منهم، ولم تكن بإشراف رسمي.

وهي مسألة تدل على القيمة الحضارية التي تحتلها هذه المدينة بين بقية أقرانها من الحواضر الإسلامية الأخرى، ذلك أنها بالإضافة إلى احتوائها على هذه المكتبات الكثيرة التي تضمّ عشرات الآلاف من المطبوعات وآلاف المخطوطات النادرة، تمثّل المرجعية الأولى للشيعة، حيث تحتضن الحوزة العلمية الأبرز لدى الشيعة.

3. تنوّع الاهتمامات بين الشرعية والأدبية

مع أن الطابع العام للنجف الأشرف هو الطابع الديني، إلا أن هذه المدينة كانت تزخر بالعديد من الشعراء والكتاب والأدباء والخطباء الذين أغنوا المكتبة العربية بنتاجهم الأدبي المتميّز، وهي نقطة نتبينها مما بيّنه المؤلِّف أثناء استعراضه للمكتبات وما حوته من عناوين بعض المخطوطات والكتب المطبوعة، وكذلك أثناء حديثه عن جمعية الرابطة الأدبية التي كانت تصدر بعض المطبوعات وتقيم المهرجانات الأدبية العامّة، وفي أجواء أنشطتها تخرّج معظم شعراء وأدباء النجف.

4. الدور السياسي لمدينة النجف

لعل الظروف التي صدر فيها دليل النجف لم تمكّن مؤلّفه من الإشارة إلى الدور السياسي الذي كانت تضطلع به النجف الأشرف في عناوين صريحة، ولكنه لم يغفل الإشارة إليها تلميحًا في مواقع متعدّدة، أولها عند حديثه عن أهمية النجف، عندما أشار إلى «مواقفها السياسية ضدّ انحراف الحكام والمسؤولين السياسيين، وفي وجه الاستعمار بمختلف أشكاله المباشرة وغير المباشرة الفكرية وغير الفكرية»، وكذلك أثناء حديثه عن أهم القيادات المرجعية في ملاحق الكتاب، ففي أثناء حديثه عن الشيخ جعفر الكبير خصّص معظمه حول علاقته مع الشاه «فتحعلي» حاكم إيران آنذاك الذي أذن له أن يتصرّف في القضايا السياسية العامّة التي هي من أعمال الرئاسة الإسلامية العليا، وذلك ضمن الإجازة المنشورة في كتابه «كشف الغطاء»، وهو تعاطٍ مع السلطة في الأمور السياسية العامّة، وينبئ عن الوعي السياسي الذي كانت تتحلّى به القيادات الدينية في تاريخ هذه المدينة العريقة.

[1]  العمارة الإسلامية من الصين إلى الأندلس، الدكتور خالد عزب، منشورات مجلة دبي الثقافية ـ دبي، ط1، 2010م، ص 91.
[2]  انظر: م. س، ص 94 ـ 95.
كاتب سعودي «القديح»