آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

حلم الإمام الحسن نهج للتسامح الإجتماعي «2»

الشيخ حسن الصفار *

نستكمل حديثنا عن عند الامام الحسن حيث ذكرنا مسبقا أن من أبرز صفات الإمام التي عرف بها صفة الحلم، حيث اشتهر عنه أنه «حليم أهل البيت».

ولأن من الملاحظ أن الخلافات والصراعات بين الجماعات، عادة تحدث بسبب تصرفات فردية متشنجة لدى هذا الطرف أو ذاك فيتعامل معها الطرف الآخر بنظره تعميمية ويتخذ رد فعل على اساسها، فإننا نبدأ الحديث بسؤال:

كيف نتعامل مع التشنجات الفئوية؟

أولاً: عدم تعميم الاساءة ومحاسبة كامل الجماعة عليها.

ثانياً: بث روح التسامح والإغضاء عن الإساءات التي قد تصدر من هذه ضد تلك وبالعكس، حيث ينبغي أن يتصف أفراد وقادة الجماعات بالحلم لأن تلك الاساءة قد تكون نتيجة لسوء فهم أو التباس أو لأن جهة ما تريد أن تخلق مشكلة بين الطرفين.

ثالثاً: عدم رفع وتيرة الاختلاف الفكري والثقافي الى مستوى الخلاف والنزاع، ونشر ثقافة التعددية والقبول بالرأي الآخر، ان تضخيم الخلاف حول بعض القضايا الجانبية كثبوت هلال شهر رمضان أو العيد، أو اختيار مرجع تقليد، أو تبنى هذه الفكرة أو تلك، واعتبار مثل هذه القضايا الجزئية حدوداً فاصلة بين الايمان والكفر، والعدالة والفسق، امر خاطئ ناشئ من الجهل أو سوء الخلق.

نهج الامام الحسن :

لقد كان الحلم منهجاً سلوكياً ومعلما بارزاً في حياة الامام الحسن وكان يتعامل به في مقابل الاستفزازات الفردية العادية ومع ذوي التوجهات المخالفة له والمختلفة معه، وكشاهد على المنحى الاول يروى انه كانت عنده شاة فوجدها يوماً قد كسرت رجلها، فقال لغلامه: «من فعل هذا بها؟» قال الغلام: أنا. قال الامام: «لم ذلك؟» قال الغلام: لأجلب لك ألهم والغم.

فتبسم، وقال له: «لأسرك، فأعتقه وأجزل له في العطاء» [حياة الامام الحسن ج1 ص214].

وضمن المنحى الثاني ينقل المؤرخون انه اجتاز على الامام شخص من أهل الشام ممن غذاهم معاوية بالكراهية والحقد على آل البيت فجعل يكيل للامام السب والشتم، والامام ساكت لم يرد عليه شيئاً من مقالته، وبعد فراغه التفت الامام فخاطبه بناعم القول وقابله ببسمات فياضة بالبشر قائلاً:

«أيها الشيخ: أظنك غريباً؟ لو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك ولو استحملتنا حملناك، وان كنت جائعاً أطعمناك وان كنت محتاجاً أغنيناك، وان كنت طريداً آويناك» ومازال يلاطف الشامي بهذا ومثله ليقلع روح العداء والشر من نفسه حتى ذهل ولم يطق رد الكلام، وبقي حائراً خجلاً كيف يعتذر للامام وكيف يمحو الذنب عنه؟ وطفق يقول: «الله أعلم حيث يجعل رسالته» [القرشي ص314].

إن مما يساعد على اتخاذ الموقف الحليم فهم الطرف المقابل ومعرفة الظرف النفسي، والفكري الذي يحيط به، فإذا فهمت أنه مضلل، أو معبأ وأنه هو الآخر ضحية لعدو واحد، كنت أقدر على السيطرة على الموقف وتحويله لصالحك لا لصالح عدوكما.

ولهذا فإن العاقل هو الذي يملك الحلم، يقول علي : «بوفور العقل يتوفر الحلم» [القرشي ص514] ويقول: «عليك بالحلم فإنه ثمرة العلم» [القرشي ص515] ويقول الرسول الأكرم ﷺ: «والذي نفسي بيده ما جمع شيء الى شيء أفضل من حلم الى علم» [القرشي ص571]، فالعالم هو الذي ينبغي ان يتحلى بالحلم، لأنه يتفهم سلبيات الجاهلين ودوافع اخطائهم.

ويحدث أحياناً أن يفد على المجتمع أفراد من مجتمعات أخرى، يحملون معلومات وأفكاراً مضلله حول المجتمع وأفكاره وعقائده.

فإذا كان الشخص المقابل لهم واعياً يعرف أنهم بسطاء ومضللون فإنه يستوعب أولاً الصدمة التي يحدثها كلامهم، ثم يبدأ في تغيير تلك الصورة المشوهة، ويعطي للوافد باخلاقه وسلوكه مثالاً حياً على خطأ تصوراته السابقة.

أما إذا كان من يقابله شخصية متشنجة، فسوف يستفزها ذلك الكلام لترد عليه بكلام أقسى وباتهامات ونعوت مضاده، وهذا الأسلوب غالباً ما يؤدي الى تأكيد التصورات الخاطئة عن المجتمع.

ومن المثير للدهشة والعجب أحياناً أن يعتبر هؤلاء الأشخاص تصرفاتهم المتشنجة تلك بطولات وانجازات تستحق الذكر والاشادة فترى بعضهم، يحدثك عنها وكأنه انتصر على عدو، وهو لا يعلم أنه بذلك أكد هزيمته.

ففي الحديث عن الرسول: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [ميزان الحكمة ج2 ص234].

وفي ذكرى الامام الحسن ما احوجنا الى قرائة سيرته العطرة، والتزام خطه الرسالي، والاخذ بمنهجه في التسامح الاجتماعي، لتسود اجواءنا المحبة والوئام، ولنتوجه لمواجهة الاعداء والاخطار صفّاً كالبنيان المرصوص، اللهم اجمع شمل المسلمين ووحد كلمتهم يا ارحم الراحمين.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»