آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 5:25 م

ثمان ساعات تبحث عن معنى «الجزء الأول»

حسام رمزي آل إبراهيم

كان يحدونا الشوق جميعاً لمعرفة ما يخطط له زميلنا في العمل، لقد نجح فعلاً في استثارة فضول كل واحد منا. زميلنا في العمل في الأربعينيات من عمره، يتمتع بروح جميلة متفائلة مبتهجة، نفتقده عندما يغيب ويصبح المكان - وخصوصاً وقت الغداء - كالمأتم، نفتقد حكاياه الجميلة وروح الدعابة والضحكة والمزح في حدود المعقول. يعجبني فيه أنه لا يرى أيً من هذا منافياً لعمره أو لمكانه; هو دائماً ما يكون على سجيته بعيداً عن التكلف والتصنع. زميلنا يعرف أن يميز وقت الجد... وتراه شخصاً آخر إذا تطلب الموقف الجدية. إنه فعلاً الشخص الذي تحتاجه كل بيئة عمل يكثر فيها التوتر والضغط.

زميلي وروحه ليست موضوعنا... بل ما كان يخطط له هو ما المراد.

منذ بداية ذلك الأسبوع وزميلنا يخبرنا بأن لديه ما يقوله يوم الأربعاء في تمام الساعة السابعة والنصف، لا يعطي أي تلميحٍ لما يريد أن يقول، ولا تدري عن جدية الأمر، فتارةً تظن أنه أمر خطير جداً وتارة أخرى تظنها دعابة من دعاباته. لا أخفيكم مر الأسبوع ببطء علينا جميعاً وأتعبني الفضول لمعرفة ما لديه.

وفي يوم الأربعاء وفي الساعة السابعة والنصف، كنا جميعاً حيث أراد منا زميلنا أن نكون قبل وصوله هو... في غرفة الاجتماعات. دخل زميلنا الغرفة ليتأكد أن الكل موجود ومن بعدها خرج ليأتي بشيء ما،،، ثم دخل مرة أخرى حاملاً معه الكيك والعصير. المناسبة هي ما نريد أن نعرفه! ”لا شك أنه خبر جميلٌ،، فهلا أطلعتنا عليه؟“

رد علينا وابتسامة كبيرة على وجهه:

”أخشى أن أخبركم وتحسدوني... سأخبركم... أنا اليوم حصلت على الخاتم! خاتم العصمة مع الشركة! اليوم صار بإمكاني أن أقول لهم مع السلامة وقتما أريد... أخيراً جاء اليوم بعد سنين من الانتظار! توقعوا تقاعدي في أي وقت“

في تلك اللحظات توزعت الابتسامات وارتفعت أصوات الضحكات... معظم الحاضرين كان يحكي عن كم بقى له على التقاعد بكل شوق وترقب... كم بقى له ويتحرر.

من منظوري أنا كان الأمر مختلفاً تماماً.. أنا كنت أصطنع الابتسامة، أوهمهم إني معهم، أحاول أن أكون في جوهم.. ”أنا بقى لي الكثير على هذا اليوم“.. ويقول أحدهم مواسياً لي ”لا تقلق ستمضي هذه السنين بسرعة“... ولكن في الحقيقة تلك اللحظة كانت مخيفة لي، كابوساً أريد أن أستيقظ منه! ”هل هذا سيصبح هدفاً لي مع مرور السنين؟، أهكذا ستفعل بي الأيام؟“ ليس من الخطأ أن تحتفل لأنك خدمت عدد معين من السنين، ولكن الخطأ أن تحتفل لأن هذه السنين مرت; الخطأ من البداية هو أن يكون هدفك أن تمر هذه السنين، وليس إنجازاً أو تطويراً شخصياً تحصده خلالها.... ”توقفوا أرجوكم!! أنا لا أريد أن أكون مثلكم! أنا لا أريد أن أرى هذا“.

يقال أن حياتك هي 10% فقط هي ما يحصل لك، أما الباقي «90%» فهو استجابتك وردت فعلك تجاه ما يحدث لك. بمعنى آخر... أنت تملك غالبية السيطرة على حياتك... أنت تختار أن تكون سعيداً أو تعيساً. قد يبدو هذا الكلام مثل ما نقرأ في المجلات والإنترنت من الكلام الجميل الذي يصطدم مع واقع الحياة المرير فيصعب تطبيقه، ولكن صدقوني هناك من حاول ونجح... هناك من حاول أن يرى السعادة في أصعب الظروف وأمرها ونجح. نجح ليس لأنه مختلف أو من كوكب آخر، نجح لأنه عرف الطريقة، عرف أن كلمات مثل: «يحب، يكره، يريد... وغيرها» هي في الواقع أفعال أنت فاعلها وبإمكانك اختيار المفعول به بما يتلاءم مع ظروفك والتي مثلما قلنا هي فقط 10%. الأمر فقط يحتاج إلى التدريب المتواصل. ما أريد أن أقوله باختصار هو أن السعادة بحوزتك، عليك فقط أن تميزها.

السعادة هي إحساس داخلي

هي ليست ببسيطة على الإطلاق تلك المدة التي قضيناها في الدراسة، يتفاوت منظورنا لتلك السنين وأداؤنا فيها. أنا كنت مجتهداً متفوقاً بفضل الله ثم بفضل أهلي. أما منظوري إلى تلك اللحظات عندما كنت أعيشها فكان حيادياً; ما كنت أكره أن أستيقظ كل صباح، وما كنت أيضاً أحب ذلك. هي طريقة سير الحياة ونظامها وأنا جزء من ذلك. يبدو إني فقط كنت أحب لحظات التكريم وتوزيع الشهادات. كنت أحياناً أعاير بحرصي على الدراسة! ”أنت دافور... أنت من جماعة كتابي كتابي... أنت ما تطلع من بيتكم كثر ما إحنا نطلع....“ وغيرها من الألفاظ اللي كانت تغيظني وقتها. ما كانت ”دفرتي“ تغيظني فثمرتها كنت أحصدها بمديح أو تقدير أو تكريم أو شهادة، ما كان يغيظني هو أن يُنظر إلي على أني ”دافور“. كنت أحس أنه جانب خاص في حياتي لا ينبغي أن يذكر، كنت أرى أن تمييزي على أني دافور يتعارض مع كوني ”كووول“، ولكن هذا ما غير من الحال شيء.

وأظنها كانت في بداية مرحلتي الثانوية عندما قررت أن ألبس اجتهادي وحرصي كدرع حتى لا يتمكنوا من استعمالهما ضدي ومعايرتي بهما. ساهم في هذا القرار معلمون مخلصون في عملهم، معلمون لا يرون أن عملهم هو أن يستيقظوا كل صباح ليشرحوا جزءاً من المنهج ثم يعودوا لمنازلهم، كانوا يرون أن عملهم هو أن ينشئوا جيلاً قادراً على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها بسلاح العلم والعمل. فكنت أتفاخر بأني دافور، أصبحت أحب أن يميزني الناس بذلك. أحياناً كنت أعتذر عن الخروج مع أصحابي بحجة المذاكرة لأني أريد أن يميزوني كدافور حتى وإن لم يكن هناك شيء يحتاج للمذاكرة والمراجعة. أذاكر وأنتبه لشرح المعلم أكثر مما كنت في السابق لأني كنت فخور بذلك وليس من أجل المذاكرة والانتباه بذاتهما. نعم كان ذلك خطأ...

ويبدو أنني لم أنجح فقط من خداع من حولي فقط... أظن أني خدعت ذهني أيضاً! بدأ الأمر كتمثيل متقن ولكنه سرعان ما صار حقيقة. أصبحت أحب ما أفعل! أصبحت أرى اللذة في فتح الكتاب وتلقي محتواه من العلم بكل صدر رحب. لا أخفيكم.. كثيرة هي الأيام التي كنت أهرب من ضيق وغبنة إلى المذاكرة. وحبي لما أفعل جعل تلقي المعلومة أسهل بكثير وأفضل أيضاً، فبدلاً من الإتباع الأعمى لحل مسائل الرياضيات صرت أرى العلة والمنطق في كل خطوة. منذ ذلك الوقت.. أدركت أن ساعات المذاكرة أصبح لها معنى في حياتي بعدما كانت روتيناً. استيقاظي صباحاً صار أسهل لأن شعاري وقتها تبدل وصار: أنا أدرس إذاً أنا موجود. ويبدو أيضاً أن تجربة غربتي كانت أسهل علي من غيري لأن كان لدراستي فيها معنى قوي. لا أخفيكم أن ضعفي في الغربة وحنيني للوطن كان محصوراً فقط على أيام العطلات الأسبوعية وباقي الإجازات.

قبل بداية العمل، حدثوني كثيراً عن ما أنا مقبل عليه، حدثوني عن تلك الساعات الطوال، عن الروتين القاتل، عن الملل، عن التعب والإجهاد، عن الإجازات، عن ترقبي لعطلة الأسبوع فور انقضائها... وغيرها من الأمور التي لم أكن أتطلع إلى سماعها. ”ما يجري عليكم ليس بالضرورة أن يجري علي أنا أيضاً، فنحن مختلفون في تفكيرنا“. أنا ما أريده هو معنى موازي ومشابه للمعنى الذي عهدته أيام الدراسة. أريد سبباً لأعيش لحظات العمل وأتعلم منها! أخبروني بالراتب... ”أنت تداوم لتحصل على راتب، ألا يكفي هذا؟!“

بالطبع لا يكفي، أنا ما أراه يكفيكم، لو كان يكفيكم فعلاً فلم التحلطم؟ لو كان يكفيكم فلم لا ترون السعادة في العمل؟ لماذا يشق عليكم الاستيقاظ الباكر كل صباحاً؟؟ لأن ساعات عملكم بذاتها ليس لها معنى!! ولا حياة بلا معنى.