آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 8:53 م

ملاحظات حول المنبر الحسيني

السيد صادق العوامي

كان المنبر ولا يزال أحد الوسائل الفعالة في تشكيل الوعي في المجتمع وبالأخص بالنسبة للناشئة ومن هم في سن الشباب، وهذا مما لا يختلف عليه اثنان، فقد بات واضحًا الدور الخطير الذي يلعبه أصحاب هذه المنابر وباتت انعكاساته ونتائجه جلية في مجريات الحياة الفكرية والسياسية لدى المجتمعات قديمًا وحديثا .

وفي تراثنا الشيعي لم يشذ المنبر الحسيني عن هذه القاعدة، وبصفة عامة اعتبر المنبر الحسيني  بفضل الرافد الذي يستقي منه وهو الرافد الديني المستند لتعاليم أهل البيت  مدرسة بحق تبث العلم والوعي والفضائل لدى المنطوين تحت هذا المنبر.

ونحن في الحقيقة مطمئنون الى استمرارية هذا المنبر في العطاء وبث تعاليم أهل البيت السمحة وحفظ ذكرهم ومآثرهم عليهم أفضل الصلاة والسلام، الا أن هذا لا ينبغي له أن يجعلنا نغض الطرف عما أصبح عليه من المنبر في هذه الأيام من ضعف الخطابة، سواء من حيث الشكل أو المضمون... بل ينبغي لكل غيور ومحب لهذه المجالس الحسينية أن ينبه الى نقاط الضعف التي يتسم بها «كثير» ممن يرتقون هذا المنبر مما لا يتناسب مع أهمية وقداسة هذا المنبر،

ومما يشكل أيضا ً استهانة بجمهور المستمعين والحط من قدرهم، فإن هؤلاء المستمعين الذين تركوا شؤونهم الخاصة من أجل الحضور للاستماع تحت هذا المنبر، ينبغي احترام عقولهم وثقافاتهم من قبل الخطيب، ولا ننسى أن من بين من يداوم على حضور مناسبات أهل البيت شيوخاً وعلماء ومثقفين وحملة شهادات عليا وشبابا واعين مفكرين.

فلا ينبغي أمام هذه الفئات من الناس أن يقضي الخطيب ساعة أو نحوها وهو يتحدث عن حلم أو كرامة أثر كرامة، أو يعيد  مما حفظه حتى الأطفال  بعض الروايات والأخبار، وكأن هذه الأخبار صيغة جاهزة،.. مع أن هناك جوانب متعددة في حياة أهل البيت وهناك العديد من المؤلفات والدراسات التي تتناول هذه الجوانب بمختلف أبعادها العلمية والفلسفية والاجتماعية والإعجازية، ولكننا نجد  للأسف الشديد  أن كثيرا ًمن هؤلاء الخطباء يستحبون الكلام الجاهز والرواية الجاهزة على البحث والتأمل..

«مثال على ذلك: في مناسبة وفاة الإمام زين العابدين : كل ما يلقيه الخطيب الرواية المتعلقة بذبح الشاة ومقابلة الرجل الغريب الذي سأله الإمام عما عسى يصنع به بعد لو مات وهو غريب..، وفي وفاة الإمام الحسن الزكي كذلك الرواية التي تحكي مواجهة الرجل الشامي له وكيف كال له الشتائم وماذا كان رد الإمام عليه، وقس على ذلك سائر المناسبات، مع العلم أن هناك جوانب عديدة في حياة الأئمة  كما أشرنا  تناولها المؤلفون بالدراسة والبحث وهي متوفرة بحمد الله في المكتبات، غير هذه الروايات التي شبعنا منها تكرارا وتكرارا» …هذا من حيث المحتوى أو المضمون في الخطابة.

أما من حيث اللغة فيلاحظ انحداراً «فظيعاً» وبالأخص من حيث النحو. والنحو مهم في فهم المعنى، ولولا أنه مهم لما أمر أمير المؤمنين أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعده. وقد قيل في ثمرة علم النحو: «صيانة اللسان عن الخطأ في الكلام العربي، وفهم القرآن الكريم والحديث النبوي فهماً صحيحا ً، اللذين هما أصل الشريعة الإسلامية وعليهما مدارها»...

فلعمري، أين كثير من خطباء اليوم من هذا العلم؟ إنهم يتحدثون ويلفظون الكلمات كيفما اتفق، بل إن بعضهم ليخطئ في تلاوة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ولا يخفى على الذي عنده شيء من مبادئ النحو أن الاسم الذي صدر منه الفعل من حقه أن يرفع، والاسم الذي وقع عليه الفعل من حقه النصب. لكن حتى هذه القاعدة البسيطة نجد الكثير من الخطباء لا يراعونها أو لا يفهمونها أصلا.

وأذكر هنا حكاية سمعتها قديما وهي أنه في أحد المجالس الحسينية وفي أثناء المصرع كان الخطيب يصرخ «قتل الشمرَ حسينٌ» بفتح الراء وضم النون، فما كان من أحد العلماء الا أن قام هاربا ًمن المجلس، ولما سئل عن ذلك قال: ولماذا أجلس إذا كان الحسين هو الذي قتل الشمر!

والطريف أنني قبل أيام واجهت نفس هذه الحالة «المضحكة المبكية» وذلك عندما كنت أستمع الى الخطيب وأنا أشعر بالامتعاض كلما طرق سمعي بين كلمة وأخرى خطأ نحوي واضح، غير أن الامتعاض بلغ بي ذروته عنما كان يقول في مصرع حبيب رضي الله عنه «فضرب حبيبٌ بالسيف فصرعه» بضم الباء في حبيب مع التنوين، فما كان منى الا أن قمت مغادراً المجلس احتجاجا ً بيني وبين نفسي  على هذا المستوى من اللغة، غير أنه لم يؤبه لي ولم يسألني أحد  كما سئل ذلك العالم  لماذا غادرت!

فمن المسؤول عن هذا التدهور اللغوي والفكري عند كثير ممن يرتقون المنبر الحسيني؟ أنا لا أدري هل يحق لي القاء اللوم  ولو جزئيا ً على الحوزات الدينية؟ لأن كثيرا ً من هؤلاء الخطباء درسوا في هذه الحوزات وبعضهم يرتدي العمامة، والمعروف أن الأجرومية هي من أوائل الدروس التي يتلقاها طالب العلم، فكيف يسمح لهذا الطالب أن يتلقى دروساً أرقى وهو لا يجيد شيئا ًمن النحو وهو كما بينا مهم لمعرفة الكلام العربي وسائر العلوم؟ وكيف يرتدى العمامة ويحصل على لقب شيخ أو سماحة الشيخ وهو لا يميز بين الفاعل والمفعول؟

أنا لا أطالب هؤلاء الخطباء أن لا يخطئوا في خطابتهم ولو بضعة أخطاء نحوية، فجل من لا يسهو، ولكن أن يكشف كلام الخطيب عن جهله التام بالنحو والصرف، وأن أي لفظة صحيحة تصدر منه إنما هي من قبيل المصادفة لا غير، فهذا يشكل مشكلة كبيرة لدى هذا الخطيب ينبغي له أولا ً أن يدرك أن هذه مشكلة حقيقية وثانيا ً: أن يبادر في التغلب عليها.. حتى لا نكون أمام ما يسمى «جهلا مركبا»...

غير أنه لا يفوتني  بالمقابل  أن أشير الى أنه يوجد من بين الخطباء اليوم ولله الحمد كثير ممن يستحق التقدير والإكبار لأنهم يعطون المنبر الحسيني ما هو جدير به من اللغة الجميلة السليمة ومن المواضيع والأبحاث المفيدة، مما ينم عن وعي لدى هؤلاء الخطباء بأهمية هذا المنبر وكذلك ينم عن تقديرهم للمستمعين..

أو لم يبلغنا قول الإمام علي «تكلموا تعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه»...؟

ندعو الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه خير الجميع وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.