آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 4:01 م

عروج أنثى

منى الصالح

نمتدح لأننا نأبى أن نتغير ونقبل بالسكون المريح. لكن الدرب المستقيم هو درب الطبيعة المتغيرة أبدًا فأولئك الذين يخالون أن الجبال لا تتغير هم مخطئون، فهي تتغير قليلاً كل يوم وإن كنا لا نلاحظ ذاك التغيير، وهكذا كانت دومًا تهمس بذهني الطبيعة ”تغيروا“!!

عند كل منعطف يكبر السؤال وينتابني الخوف أكثر، هل هذا الرفض لواقع نعايشه خطأ أم صواب؟

ويصبح خطو المسافر الذي يجول بداخلي خطوة واعية تكشف عما تحمل من نور دون سابق إنذار، لتفصح عن ثقل ما تحمل في ذكرى ميلاد من تمثلنا، سيدة النساء، حين طلب مني قبل سنوات المشاركة بورقة عمل في ملتقى عن دور الزهراء الوجداني.

كثيرة هي التساؤلات التي كانت تضطرم بأعماقي.. لم كل هذا التصريح وهذه الملازمة الشديدة؟ حيث ربط رسول الحب بين رضا الله ورضاها وأكد على متانة العلاقة على المستوى اللفظي والسلوكي فكان لا يفتأ يردد من وصلها فقد وصلني ومن آذاها فقد آذاني، هي أمُّ أبيها يبدأ بها وتكون آخر وجه يراه عند ارتحاله، لم يخض حربًا أو يخطو خطوةً إلا والزهراء معه بجنبه لا تفارقه، كان صوته يصدح: هم أهل بيته وهي أمّه، هل كل هذا فقط لأنها بضعته وابنته التي يحب؟ أم لدور ثقيل تحمله الزهراء؟

ولكن السؤال يلح علي بالطلب أن هناك ما هو أعظم وأكبر وأعمق، وإن كان كل ما ذكرت ليس باليسير.. ثم يلح السؤال هل كل ما تعرضت له بعد وفاة والدها من تهميش وإبعاد هو نكاية بزوجها وحرمان لها من حقها الطبيعي؟ هل انتفاضتها ومطالبتها وخروجها من المدينة اعتراضًا وخطبها من على منبر رسول الله وحملها راية الرفض والمعارضة، ألا يشير كل هذا إلى انتكاسة في الخط الإنساني، ونكوص لأمر كرّس رسول الله ﷺ جل جهده بمعية الزهراء لتصحيح مسيرة طالت البشرية على امتداد تاريخها؛ فاكتملت الثمرة ونضجت الفكرة على أيديهما! وفي لحظات سكون فكري صاخب برزت كثير من النظريات تلوح لي كدلالات في الطريق، وهكذا وأنا في خضم البحث مستعينة بوهج محمد والزهراء أقدمت على تقديمها كفكرة قابلة للنقاش لأنها من تجليات الرحلة، ففي محطة كان لي توقف بنظرية قسمي العقل البشري الأيمن والأيسر ووظائف كل منهما، ولا يكون اكتمال للعقل إلا بهما معًا وأي تطرف لجانب يحدث خلل نعاني منه الكثير في حياتنا، والأدلة كثيرة أثبتتها الدراسات الحديثة من إعمال الأيسر وإهمال الأيمن.

وهناك في جانب آخر أضاءت نظرية الين واليانغ، النظرية الصينية القديمة التي ارتكزوا عليها برسم طبيعة الغذاء الصحي بل وجهت استراتيجية حياتهم.

وخلصت في ذاك اليوم إلى أن رسول الله ﷺ كان يستهدف من كل هذا التأكيد وبشكل عملي لتصحيح مسار بشري طال البشرية بامتدادها، أراد أن يقول في أعماق كل محمد توجد زهراء، وفي أعماق كل زهراء يوجد محمد، باندماج يأبى التفكيك، ولا تكتمل إنسانيتنا إلا حين نولي كلاهما الاهتمام نفسه ونعملهما بنفس المقدار.

وظلت الفكرة حائرة تحتاج إلى مساندة بل إلى دراسة علمية تثبت النظرية، وإلا كانت استشراقات داخلية تحتمل الخطأ والصواب، ولكن السؤال الملح بقي يفرز في سمائي ألف سؤال وسؤال، حاولت فيما بينهم أن أركن كما تركن الكثيرات لمربع الراحة وأن أرضى بتبريرات مزيفة قابعة في زوايا ذاكرة ملامحها ذكورية، مستسلمة لرؤى ضبابية تدغدغ مشاعر ساذجة تحاول أن يكون لها وجود.

توقعت أن هذا الأمر يخص ثقافتنا العربية والإسلامية، فبت أنتفض وأطالب، وشيئًا فشيئًا اتضحت الرؤية أن هذه الإشكالية قديمة بقدم حواء حين أغوت آدم وتسببت بإخراجه من الجنة، تناولتها الحضارات باختلافها عاجزين عن إيجاد تحليل مقنع، وهذا ما أشارت له إليف شفق في رواية «الحليب الأسود» حين استعرضت الكثير من الكاتبات والروائيات في القرون القديمة والحديثة وتنقلت بين الثقافة الشرقية والغربية على حد سواء، مستعرضة حالة التهميش والإقصاء والصراع التي تعاني منه الكاتبة مقارنة بالذكر، بل الأمر أقدم من ذلك! فحتى في فكر أرسطو وهو أعظم من قام بتصنيف المعارف في العالم القديم لم يقر بقيمة الأنوثة، فالذكر عنده امتلك القدرات العليا للعقل فهو كالسماوات، وعلاقة الذكر بالأنثى هي بطبيعتها علاقة الأعلى بالأدنى حيث اعتبر الأنوثة تشوهًا.

وطرحت المؤلفة د. ليندا جين شيفرد القضية بطريقة علمية في كتابها «أنثوية العلم». مرجعةً الخلل حين نُخضع الأمور ضمن الإطار التراتبي الهرمي؛ فسوف نقوم تلقائيًا بتصنيف الشخص أو المهنة أو الجنس ترتيبًا تفاضليًا، وتستعرض كيف سادت هذه النظرة حتى وجدت كثير من النساء تتوتر أعصابهن من جراء تعريف شخصياتهن بأي شيء أنثوي، وتوضح الكاتبة كيف نظرت المجتمعات لهذا الأمر ومنه المجتمع الغربي، على الرغم من التحدي الذي خاضته الكثير من الحائزات على جائزة نوبل من أمثال ماري كوري إلا أن الغالبية ترزح تحت نير العقيدة الجمعية القائلة أن الصفات الذكورية والأنثوية ترتبط بشكل قطعي حاسم بأحد الجنسين، وتستشهد بأكثر من مثال ومنها المهندسة التي كان أكثر من تسعين في المائة من أساتذتها يشدون من أزرها، وعلى الرغم من ذلك كانت تشعر بأنها محجوبة في بعض فصولها الدراسية؛ حيث يلقي الأستاذ سؤالاً فلا يجد إلا هي من يرفع يده، وتجوب عيناه ليقول: «حسنًا هذا شيء لا يصدقه العقل».. وقد يتصرف معظم الرجال بهذه الطريقة، لا عن خبث أو تعمد بل عن جهل وبلا وعي.

ثم تستعرض عدة منظورات ثقافية للذكورية والأنثوية:

منها الأساطير القديمة وما تمثله الآلهة، ثم أدرجت ما سجلته الأنثروبولوجية مارجريت ميد حين درّست قبيلة تشامبلي في غينيا حيث الأنماط السلوكية؛ فالنساء يدرن شؤون العمل ويكسبن المال، والرجال يقومون بالنحت والتصوير.. وخلصت إلى أن القوالب النمطية الشائعة للسمات الأنثوية والذكورية ليست فطرية بل هي نتاج التكيف الثقافي.

ثم استعرضت بشكل تفصيلي النظرية الصينية الين واليانغ، ففي هذا النظام لا يملك جانب بمفرده الحياة بل يوجد كلاهما في تفاعل تكاملي مع الآخر، هما معًا يشكلان التوازن والانسجام، فلا تعارض بينهما ولا تضاد والاختلاف بينهما متمم للآخر، فثمة حركة متواصلة بينهما بلا بداية وبلا نهاية بوصفهما جزئين ضروريين من الكل. الوصف لهما يمثل بشكل كبير نظرتنا للذكورة والأنوثة، ففي سويداء الين بقعة من اليانغ وفي سويداء اليانغ بقعة من الين يتحرك الخط الممتد بينهما حركة موجية ممثلاً لتواصل قوة الحياة التي هي الحركة.

هكذا بحث الصينيون القدامى عن النظام والانسجام خلال الظواهر الطبيعية وجعلوا هذا مثالاً لكل العلاقات الإنسانية، وقد قدم علم نفس الأعماق تعريفًا للذكورية والأنثوية مبنية على نفس الأساس، وانتهى إلى أن كل فرد يبلغ الكلية فقط عن طريق ارتقاء وتكامل كلا المبدأين في حد ذاتهما، وهذا يهب الفرد خيارات أوسع ومصادر للتفاعل مع العالم، فالرجل كلما ارتقى بصفات الرعاية والتلقي لن يبدو أنثويًا بل تكون ذكوريته أرسخ ولكن من دون هشاشة الدفاع بعنف الرجولة، وحين تستجمع امرأة صفات التمييز والتفكير الواضح، فلا واحد منهما يمكنه بلوغ إمكاناته الكاملة من دون الإحالة المستمرة إلى مقابله.

وتتدرج الكاتبة إلى الأنثوية والعلم كفكرة الكتاب الأساسية، وتعاين على مدار الكتاب أن المقاربة الذكورية أحادية الجانب كانت تعرقل العلم دائمًا، ولابد من البحث عن الين أو الأنثى لكي يتوازن.

نساء كثيرات خضن العلم بالخفاء، ثم حاولت عدد منهن الدخول برحاب البيولوجيا لنقد أسس العلم من الداخل أمثال روث هبارد وروث بليير، وكيف أن العوامل الثقافية تشكل البيولوجيا مثل ما أشار الأطباء بالقرن التاسع عشر أن جمجمة النساء أصغر فيعني هذا أن ذكاءها أقل، فتناقش ماريان أن الصورة المعتادة للمرأة بوصفها ضعيفة البنية قد حالت بينها وبين كثير من الأعمال، وتبين الدراسات أن افتقارها للقوة الجسدية يأتي إلى حد كبير من عدم استخدامها.

وبدأن يحللن الخلية الأولية ويفندن النظرة إلى أن الخلية الذكرية إيجابية والأنثى سلبية، وهكذا تصطحبنا برحلة لاكتشاف علم يشمل الأنثوية وكيف أنه يمكنها أن تجعل العلم أكثر إبداعية وأكثر إنتاجية وأكثر إنسانية.

ومن مجمل ما تورده من نظريات ودراسات علمية نصل إلى أن الوجود البشري الكائن الإنساني ينفلق إلى فلقتين، كثمرة حين تنضج ونفتحها ونجدها فلقتين الذكر والأنثى، الأيسر والأيمن، اليانغ والين.. ولا تكتمل الإنسانية إلا بهما، ولابد أن يسعى كل منهما إلى التكامل الخارجي والداخلي، فلا تمايز خارجي بل تكامل وترابط وتمازج وظيفي.

كما أن يسعى إلى تكاملهما الداخلي، فالكروموسوم y يبقى دومًا يحتاج ليتكامل ويرتقى أن يهتم بالصفات والقيم التي تميز x وهكذا العكس.

وهذا ما أشار له الباحث قصي هاشم في شرحه نظرية خلق آدم من خلال آيات القرآن الكريم برؤية جديدة، تشير إلى أن آدم اسم جنس يشير إلى الجنس البشري والذي يتضمن الذكر والأنثى وأن الخطاب موجه لهما على نفس المستوى، ولكن التفسير التقليدي الذي اعتدنا عليه من أن آدم هو الذكر الذي مؤنثه حواء، وإن كان هذا التوجه صحيحًا فلم أهمل ذكر حواء ولم تعرها الآيات الكريمة أية أهمية رغم أن خطاب التنبيه كان موجهًا لآدم، والتوبة لآدم! فلم لم يرد ذكر لحواء؟ هذا التوجه بالتفسير للآيات الكريمة وبدون وعي أو قصد من المفسرين الذين أغلبهم ذكور ببرمجة العقلية الجمعية نحو الأنثى والذكر التمييز الجنسي، حيث وُضعت القيمومة بيده والوصاية له والكثير من الأحكام التي تبقي الأنثى في نفس الدائرة، حيث حواء أغوت آدم والتي أتوقع هي هي نفس القضية التي ما فتئ رسول الله ينادي بها ويبتغي إعادة تصحيح البوصلة حيث التوازن ما بينهما في مجتمع اختلت فيه الموازين، وانحرفت القوانين حتى وصلت لمرحلة الوأد.. واليوم ونحن في عصر العلم والنهضة والوصول للقمر يبقى السؤال: لم أول من نزل على سطح القمر رجل؟ وأول من حلل ترابه واكتشف أسراره مستفردًا بأحادية لا تناسب العصر؟ واليوم بالذات حيث تواجهنا الكثير من التحديات نحتاج إلى نفض الغبار وغربلة التراث لنعيد ما بدأه رسول الإنسانية ﷺ بمعية الزهراء .

﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون.