آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 1:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

الذم المقبول عند الشعب الياباني

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

الحرية ليست ترفا نتمتع به، بل هي عبء شديد نتحمله ونصبر عليه من أجل الوصول إلى مذاق الشهد الإنساني في الاستقرار والتعايش

قبل أيام قلائل انتشر عبر موقع التواصل الاجتماعي ”تويتر“ هاشتاق، عنوانه ”: # الذم_المقبول“، عبّر خلاله العديد من المغردين عن رأيهم في الفرق بين الذم المقبول والذم المرفوض؟ الوسم التويتري تم تداوله بشكل كبير بعد رفض إحدى المحاكم دعوى تقدم بها أحد المحامين ضد داعية أساء إليه بالقول، وكان مسوغ الرفض أن الإساءة التي وردت، تدخل في إطار الذم المقبول!

لن أعلق هنا على حكم المحكمة ولكن أقول: إذا أردنا حقا الوصول إلى نتيجة نهائية لموضوع التراشق المستمر، فإن علينا أن نتعامل مع الحدث بمنطقية توصلنا إلى استنتاجات يمكن لها أن تخفف من حدة هذا الطرح.

أولا، وقبل كل شيء لابد أن نقر بأن الخلاف سيلازمنا أبد الدهر، ولن تتوقف العناصر المتشددة، وأحيانا حتى المعتدلة، من الطرفين عن النقد اللاذع. إن الأزمة الحقيقية في مجتمعاتنا ترتبط بفشلنا في التعامل مع هذا النقد اللاذع، فلننظر مثلا لشعب جدير حقا بالاحترام مثل الشعب الياباني، فبالرغم من أنه لم يشتهر بتدينه، إلا أنه يجهل فن الذم، مقبولا كان أو مرفوضا.

يقول لي أحد الأصدقاء اليابانيين إنه ”من النادر جدا أن تجد قضية سب أو شتم في المحاكم اليابانية، سألته: كيف ذلك؟ قال: نعم إنها الحرية قد أكون على حق، ولكن لا ينتقص ذلك من حق صديقي شيئا في أن يعلن ما أظنه باطلا“، ولفت نظري إلى معلومة جديدة وهي أن اللغة اليابانية تفتقد مفردات الشتم والسب، المنتشرة في اللغات الأخرى، حتى إذا تلفظ أحدهم أحيانا ببعض الألفاظ الحادة لا تعدو كونها أكثر من ضحكة أو ”تريقة“، وهذا يعود لأدبهم الراقي في التعامل مع الخلاف والاختلاف، وهو ناتج عن تربية تبدأ من المدرسة والبيت، فالأطفال يتدربون هناك على التزام الصمت والاستماع حتى مع النقد اللاذع، وأن الأدب أو الخجل يمنعهم من الرد.

إن مبدأ الحرية العظيم هو الذي جعل الشعب الياباني لا يذهب إلى المحاكم لرفع دعاوى الذم، ليس لقصور في القانون الياباني الذي لا يجيز الذم في كل مواد الدستور، بل لأن مبدأهم الإنساني ”أن تكون إنسانا يعني أن تكون حرا“، فالحرية ليست ترفا نتمتع به، بل هي عبء شديد نتحمله ونصبر عليه ونتجرع مرارته أحيانا، من أجل الوصول إلى مذاق الشهد الإنساني في الاستقرار والتعايش والانفتاح مع الآخر المختلف، هذه هي الحرية التي إذا فتحت مظلتها قد تسمع وتشاهد ما تكره، وقد تبلع ما لا تستطيع أن تهضمه.

المطلوب منا هو تدريبات مستمرة على الحرية كالشخص الذي يذهب إلى النادي الرياضي ويتدرب على حمل الأثقال، لابد من الاستمرار والممارسة، أما تدريب الحرية فهو أن تعطي ظهرك لنافخ الكير من دون مقاومته أو مواجهته في ذات الميدان، ونجعل تركيزنا فقط على الناس من دون إشارة إلى الكره الذي قيل، نكتب المقالات ونؤلف الكتب ونرفع أبناءنا لحديث العقلاء ولا نهبط بهم إلى رخص الحديث ولغة الشتائم، وكذلك الحرص الدائم على أن نكون بلا ردة فعل، لأن ردات الفعل والمقاومة تخلق من هؤلاء المتشددين والمتطرفين أبطالا، وأخيرا أقول: إن الحرية حتى وإن أجازت وأباحت كلمة سوء واحدة فإن آلافا من كلمات النور والخير ستشع في الطريق.