آخر تحديث: 29 / 5 / 2020م - 3:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

رب ضارة نافعة

شمسه أحمد الصفواني

جاءت التغيرات الاقتصادية بوقع قاسي ومزلزل خصوصاً لبعض شرائح المجتمع المتعبة اصلاً من متطلبات الحياة، فكيف بهم الآن.

ولكن الا ترون معي أن هذه التغيرات وبالرغم من اسبابها الظاهرية والمتسبب من تفجيرها من حروب ومتغيرات وغيرها الا أنها تأتي بتدبير إلهي، فليس ببعيد حينما يتأمل الواحد منا لنمط حياتنا ويتوجل، ويتساءل كيف لهذا أن يستمر، ليس فقط لعواقبه الاقتصادية وبل لأنه مناهض لما نؤمن به ومخالف لتعليمات ديننا الأساسية وحتى ضد موروثنا الثقافي والتربوي، فكيف يكون هذا التناقض، فنحن في الأساس لسنا مجتمع استهلاكي شره مترف مبهرج مسرف في حب المظاهر فهذا النموذج بعيد كل البعد عن الشخصية الايمانية البسيطة غير المتكلفة، وجذورنا من آباء واجداداً قد يكون بعضهم لازال بين ظهرانينا كانوا مكافحين منتجين، فكيف اصبحنا اليوم فئات كسولة تعتمد مبدأ الأخذ دون العطاء، كيف وصلنا الى هنا.

هل تلاحظون معي أننا اليوم أغلب اوقاتنا نتحدث فيها عن «الفلوس»، وهذا غريب هل تتذكرون يا أهل عقد الأربعين او الخمسين أن أحاديث المال تسمعون بتداولها في جلسات الأهل والزوار لديكم؟ ولاحظوا معي اليوم نكاد لا نفتر عن الحديث عن الراتب وكم صرفت وبكم هذا، صارت جل احاديثنا تدور حول المال. صار شغلنا الشاغل كيف يأتي المال وكيف ننفقه؟ ومتى نحصل على أكثر وهكذا... الا نشعر بالابتذال حين تدور جل اهتماماتنا حول المال.

الحجة الاساسية أنه زمان مختلف لرجال مختلفين، قد يكون ذلك ولكن للمجتمعات اسس لا يمكن أن ندير ظهرنا لها ونعيش في فقاعة صابون من احلامنا بالترف والراحة والدعة الى ابد الأبدين ودهر الداهرين.

ومن المؤلم أننا في الحقيقة لا نملك مقومات هذا الحلم المترف لأننا في حقيقة الوضع ليس لدينا ذلك التماسك الاقتصادي الذي نريد أن نبني عليه قصورنا الوردية فيما عدا تلك الثروة النفطية التي قدر الله لنا أن نكون العاملين عليها فقط، ليس أننا لا نملك الامكانيات، لا فما خلق الله خلق الا يسر له تدبير عيشه حتى الحشرات ودقائق خلقه، لكنها طباع اعتدنا عليها من فترة ليست بطويلة. لكننا في الأصل شعوب تصالحت مع الكفاح وشغف العيش، ومع أنا بناتنا واولادنا اليوم يبذلون الجهد المضني في سبيل اثبات الذات والوصول الى مراتب تعليمية متقدمة الا أن جلهم يطمح في النهاية في وظيفية حكومية تؤمن له رافد اقتصادي ممتاز وهذا نهاية المطاف، في الاغلب ليس هناك رؤية ابعد. اليوم وقد سقطت ورقة التوت الأخيرة لهذه التركيبة الغير مقنعة وغير المتناسقة من الهيكل الاقتصادي الركيك، يتطلب منا الأمر إعادة النظر في كل شيء، في مؤهلاتنا لتحديات اليوم في قبولنا في ما لم نعتد تقبله وصنع بدائلنا.

والأهم من ذلك إعادة صياغة منظومة قيم أكثر فاعلية للفرد اليوم، فبرغم من حياة تكاد تكون مستقرة بالأمس بالاعتماد على الوظيفة الحكومية وبعض الشركات الاساسية الا أنه بعض افراد المجتمع يعانون بصمت من وضع اقتصادي منهك.

وما يصعب عليهم الحياة هذا التفاوت الذي يكون احياناً واسع بين افراد المجتمع، صعوبة نفسية بما يثيره هذا التفاوت من مساوئ وايضاً صعوبات عملية لأن هؤلاء الأفراد مطلوب منهم المعاناة لوحدهم وبصمت لتفادي مشاعر النقص والتفاوت.

وايضاً بهرجت البعض بما حباه الله من النعم يجبر البعض ممن هم أقل منه حظاً على مجراته، مثل ما يحدث في حفلات الزفاف فكل العائلات تقريباً مضطرة لاتباع نفس السيناريو لهذه المناسبة، بدرجة تنافي المنطق فحفل الزفاف الذي تناهز تكاليفه ما يقارب 100 الف كيف لصاحب الدخل المحدود المجارة فيه، أنه جنوناً اجتماعياً أن يبدأ حياة زوجية وتكوين اسرة وهو مكبل بديون تقارب هذا المبلغ، وبالرغم أننا نعيش في مجتمع متكاتف الا أن الضغوط التي نسهم بها جميعاً على باقي افراد المجتمع بما نتفاخر فيه وسلوك التبذير الذي ننتهجه يضر الفئات الأخرى بأكثر ما ينفعهم تبرعنا او مساهمتنا الخيرية، والحال أنه يجب ان ننتهج منهج معتدل مهم بلغت منا النعم مبلغها مراعاة منا لحساسية البقية وظروفها. وايضاً لأن هذا النهج من التبذير غير أنه منافي للتعبير عن شكر النعمة، فهو وجه من الاسفاف التربوي ودلالة على حداثة النعمة وعدم الاصالة وعدم الرقي في المجتمع، فأنا حين اتعمد الظهور في لبسي ومأكلي وسكني ومناسباتي بمظهر مبهرج ومبالغ فيه أنما يدل على عقدة نقص اتستر عليها بهذا المظهر البراق، وهو ايضاً مظهر لازدواجية الشخصية الايمانية، فحين تتفاجأ بذلك بالبعض ممن يملؤون الساحات والمناسبات الدينية ويأتي زواج ابنه او أبنته فلا يترك منهي عنه في هذا الزواج لا يأتي به، ويكون لهؤلاء أكثر من غيرهم قوة تكريس عرف جائر بالمجتمع من حيث الطقوس ومن حيث البذل الغير متاح لبقية المجتمع فكيف يكون هذا الشعور الإيماني المنقسم على نفسه بينما يريده لنفسه من واجهة مترفة ولامعة وبين واجبه الديني تجاه بقية المجتمع الذي يمثل لهم ما فعله تحدي لقدراتهم.

فحسناً فعلت هذه الأزمة لتجبر الجميع على إعادة تقييم ممارستنا لنكون منسجمين مع قناعاتنا ونقلل من تلك الفوراق الطبقية المزيفة التي بدأت بالتكرس بين فئات مجتمع ايماني صغيراً نسيباً ولا يحتمل مثل هذه الفروق.

وبنفس الدرجة لإعادتنا لقواعدنا الاجتماعية وهويتنا الأصلية وكسر ذلك النمط من التباهي الذي ساد في الفترة الأخيرة بيننا، والذي لا يستند على موارد حقيقية تؤهلنا لذلك كما في المجتمعات الكبيرة الأخرى.

وايضاً لتنسجم الشخصية الإيمانية مع نفسها والتزاماتها الروحية والعائلية والمجتمعية أكثر، فبدل أن أفكر في اقتناء حقيبة ب5000 ريال بس لأنها ماركة، أعرف قيمة هذه النقود في تدبير اسرتي ومسؤوليتي تجاه صرفها حتى وأن كان لدي وأكثر.

وحتى في ابسط عاداتنا وممارسات الهدر لدينا التي تنم عن الجهل وعدم تقدير النعمة وإتلافها بما يستدعي الحساب والمساءلة التي لا تقل عن مسؤوليتنا الأخرى، فبرغم من تقنين فواتير الماء الغير عادية التي تحدث اليوم الا أنها قد تضع حداً لهذا الاستهتار الغير جائز شرعاً بأهم النعم لدينا والتي هي ما تجعل الحياة ممكنة، كلنا يعرف كل ذلك ولكننا سددنا اسماعنا عمداً استسلاماً منا لعاداتنا وما الفناه، فلو لم يكن لهذه الأزمة فائدة غير تغيير هذا الإهمال لكان هذا جيداً برأيي.

ليس هذا وحسب بل نحن نخسر أهم ثروة لدينا وهي اولادنا بهذا التساهل بتعاملهم مع المال وكأنه يجوز لهم كل ما يريدونه بمجرد امتلاكهم للمال الكافي، وما بعد ذلك ادهى وامر، فاذا هو امتلك ما يريد فأي سلطة لأب او أم واو مجتمع، وله مطلق الحرية أن يفعل ما يشاء حتى يصل بالبعض أن يقتل نفسه في هذا الطريق او يخسر دينه، وأفة الأجهزة ومخاطرها او ما يحدث للكثير من اولادنا من نهاية غير سعيدة في طرق الموت وتسابق السيارات والدراجات.

ظاهر الأمر لا يسر ولكن دعونا لا نبتأس كثيراً بالأزمة ونرى فيها بريق فرجاً قادم أن شاء الله.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
صفاء الناصر
[ صفوى ]: 22 / 2 / 2017م - 9:01 ص
رووعة اختي ام محمد دائما ولازلتي يُستمد منك الكلام الحكيم والموزون في تحليل المشكلات والتخفيف من آثارها واخذها بطريقة ايجابية لاتؤثر على حياتنا
بوركت اناملك غاليتي🌹🌹🌹