آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

الصرخة الأبدية

محمد العلي * صحيفة اليوم

«إني أرى الأسعار أسعار الرعية غالية

وأرى المكاسب نزرة وأرى الضرورة فاشية

وأرى غموم الدهر رائحة تمر وغادية

وأرى اليتامى والأرامل في البيوت الخالية

يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عالية

من للبطون الجائعات وللجسوم العارية؟»

حين تقرأ هذه الأبيات يسارع إليك اليقين بأن قائلها صاحب أدلوجية يسارية فاقعة، وأنه قالها بالأمس في حفل زاخر تتمايل به الأعناق المتوجة بالثورة. كلا.. يا صاحبي.. لقد قيلت قبل أكثر من «1200 سنة» و«الراعي» الذي وجه إليه الشاعر هذه الأبيات هو نفسه الذي قال فيه:

أتته الخلافة منقادة

إليه تجرر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له

ولم يك يصلح إلا لها..

إنه أبوالعتاهية الذي بينه وبين اليسار ما بين الوجود والعدم من تناقض.. وحين نعرف أن قصيدته في تتويج المهدي بالخلافة قيلت في «158 هـ /‏775م» نعرف الحياة الاجتماعية التي قيلت فيها تلك «الصرخة الأبدية» من الفوارق الاجتماعية.

إن الدهشة تغرقك حين تقرأ تاريخ الخلفاء ومن يحيط بهم.. من البذخ والإسراف والهبات بلا حدود.. فبعض الخلفاء أمر أن يملأ فم الشاعر الذي أعجبه درا، كما فعل الوليد بن يزيد الأموي، وزبيدة، حين ملأت فم الشاعر سلم الخاسر درا باعه بعشرين ألف دينار.. وهكذا تواترت صعودا هبات الخلفاء والأمراء للشعراء، حتى قال المتنبي في سيف الدولة: «وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا».

هذا البذخ الأسطوري تعيش إلى جانبه الملايين ممن وصفهم أبوالعتاهية بالعراة الجياع، وهذا المشهد المأساوي ليس مقتصرا على عصر من العصور بل هو يستغرق كل العصور في جميع الأمكنة على الأرض.

هذا كله إذا ضحكت السماء والأرض لبعض الناس، أما حين تضن السماء والأرض بالخيرات، كما فعلتا وتفعلان، فإن المشهد البائس يعبر عنه الشاعر أبوبكر الخوارزمي:

ما لي رأيت بني العباس قد فتحوا

من الكنى ومن الألقاب أبوابا

ولقَّبوا رجلاً لو عاش أوَّلهم

ما كان يرضى به للحش بوابا

قلّ الدراهم في كفيّ خليفتنا

هذا فأنفق في الأقوام ألقابا

هذا في الماضي أما الحاضر فيقول:

«أنا الغني وأموالي المواعيد».

كاتب وأديب