آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 8:24 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بين «هايد بارك» وابن بطوطة

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

على عادتي عندما أزور عاصمة الضباب، فقد حرصت على ألا تفوتني زيارة متنزه «هايد بارك» يوم الأحد، وتنقلت بين الخطباء عند الزاوية الشهيرة ولم يخطئ حدسي، فالمواضيع الأثيرة هي التجاذب بين أتباع الديانات والتوجهات الفكرية المختلفة؛ ومع ذلك فخطيب ما برح يحلل ويدلل على أن الأميرة ديانا قتلت غدراً نتيجة لمؤامرة، وثاني يتحدث عن الإسلام والدعوة المحمدية، وثالث عن اليهودية وإدعاءات المسلمين ضدها حسب تعبيره. أما بقية المتحدثين فلم يستقطبوا جمعاً، حتى أن أحدهم كان يقف على كرسي يحادث نفسه.

أما الجدل والنقاش المحتدم فكان بين أحد المسلمين ومتحدثين ارتقيا منصة خفيضة يشيدان بعظمة اليهودية وفضلها على البشرية، وكان المسلم ـ ويبدو انه من أصول هندية ـ يتحدث بطلاقة وحماس بما يعتقده المسلمون في أمر العلاقة بين الديانتين. أما الخطيبان فكانا يقولان له عبارات مثل: من أباكم أيها العرب؟ اسماعيل ليس عربياً. أما أمه هاجر فمصرية أي أفريقية، وبالتالي فهي ليست عربية! وأردفا قائلين للشاب: كيف تنتقدوننا ليل نهار وتستخدمون مخترعاتنا؛ من اخترع جهاز التحكم عن بعد؟ يهودي، فلماذا تستخدم الجهاز لتتنقل بين محطات التلفزيون؟ ورد عليه الشاب المسلم قائلا: وأنتما ترتديان نظارتين، فمن اخترع العدسات؟ واستمر الجدل. أما الخطيبان المدافعان عن اليهودية فقد انتقلا للاستهجان قائلين: ماذا أضاف المسلمون للحضارة؟!

اكتفيت بذلك القدر، وقررت أن أحتسي كوبا من الشاي في مقهى قريب لأستمتع بالنسمات الباردة والصحبة الطيبة وحماس المتريضين من حولنا، وما أن ارتشفت قليلا من المشروب الدافىء حتى صعقتني فكرة باردة تقول: منذ متى بدأ الجدل بين الديانات؟ وبين الطرائق والمذاهب ضمن الديانة الواحدة؟ وكم من حروب اشتعلت وأرواح أزهقت في تلك الحروب؟ ومع ذلك فمازال الجمر متربصاً تحت غلاف رقيق من الرماد. أما شرقنا العربي فقد عانى حروبا دينية ماحقة، خذ اكتساح المغول وسقوط بغداد المفجع وأضف إليه حروب الصليبيين، بل تأمل الخراب الذي أحدثته حروب وفتن بين أهالي ديانة واحدة وضمن طائفة واحدة كما روى الرحالة ابن بطوطة عندما زار الشرق في القرن الثامن الهجري. أما إنكار الخطيب اليهودي أي إضافة حضارية للإسلام فهي إنكار الكاره الباغض؛ هو لا يفكر بعقله، بل بعاطفة سوداء ثنفث غلاً، إن أقنع الناس أصبحوا كارهين وإن لم يقنعهم عكر صفوهم فهو يحط من قدر أعز ما في حياتهم.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار