آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 3:38 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اشتراطات التغيير الاجتماعي «2 - 2»

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

الكتاب الصادر حديثا من قبل شركة أرامكو السعودية، جاء غنيا وثريا في استعراضه لأصل الزيت، وتاريخ صناعة النفط في العالم، ولتفاصيل اتفاقية الامتياز في بلادنا، ورصد مسار اكتشاف البترول فيها، ومن ثم استخراجه بكميات تجارية في عام 1938 من البئر الشهيرة برقم 7، إلى أن أصبحت السعودية الدولة الأولى في العالم من حيث احتياطيها «26 %» النفطي، كما هي أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم.

اكتشاف النفط في بلادنا أدى موضوعيا إلى توليد علاقات اقتصادية ــ اجتماعية «حديثة» من نمط جديد، قائمة على أساس المشاركة الجماعية في العمل والإنتاج، وما ولدته من توحيد لمصالح وقيم وتطلعات جديدة مشتركة، بين أناس ذوي انتماءات مناطقية وقبلية ومذهبية متباينة ومتعددة، وما رافق ذلك وأعقبه من تعليم واكتساب مهارات ومعارف تقنية وعلمية، ومن احتكاكات وتفاعلات «اجتماعية وسياسية وثقافية» محلية وخارجية جديدة، أدت منذ بداية الخمسينيات للقرن العشرين المنصرم، إلى تشكل وبلورة حراك اجتماعي وسياسي وفكري نشط، كما تأسست هيئات وجمعيات ثقافية، وأندية رياضية، ولجان عمالية في مناطق النفط «حيث تعمل شركات النفط الأمريكية»، بل وتشكيلات سياسية، على غرار ما هو قائم في البلدان الخليجية والعربية المجاورة، وإلى جانبها بدأت تتشكل بواكير الصحافة السعودية، واللافت هنا هو منسوب الحرية المرتفع نسبيا، والتعددية الثقافية والفكرية التي كانت تتمتع بها تلك الصحافة في فترة الخمسينيات، وحتى أوائل الستينيات، علما بأن غالبيتها توقفت لأسباب مختلفة، وبالطبع لا يمكن تجاهل التقدم الذي أحرزته الصحافة السعودية على هذا الصعيد في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز ــ حفظه الله.

بفضل الثروة النفطية الهائلة، استطاعت المملكة تحقيق إنجازات نوعية على كافة الأصعدة والمستويات الاقتصادية والخدماتية والتعليمية والصحية، وذلك خلال فترة تاريخية قصيرة لا تتجاوز نصف القرن، جرى خلالها انتقال وتطور نوعي للسكان من حالة التخلف، البداوة، الأمية، انعدام الأمن، الجهل، والفقر إلى حالة من الاستقرار والأمن والإنتاج الحديث، كما اتسع نطاق التعليم بمختلف مراحله، حيث انخفضت نسبة الأمية إلى حوالي 15 % فقط من مجموع السكان، وتطورت البنية التحتية، وظهرت مدن جديدة، ونمت المدن والحواضر القديمة، ما أدى إلى تزايد معدلات الهجرة من الريف والبادية إلى المدن، ويشكل سكان المدن «الحضر» في الوقت الحاضر ما يزيد على 80% من إجمالي السكان، ويعتبر معدل النمو السكاني في المملكة هو الأسرع في العالم، حيث يتراوح ما بين 3 و3.5 % سنويا، في حين أن أعمار 60 % منهم هم دون العشرين.

هذه التبدلات البنيوية أدت إلى خلخلة نظام العلاقات الاجتماعية التقليدية القديمة، وأدت إلى ظهور طبقات وشرائح اجتماعية جديدة، انحسرت بموجبها إلى حد كبير، نسبة البدو والفلاحين والحرفيين، لصالح نمو طبقة وسطى واسعة العدد، تتميز بأنها متعلمة وذات مستوى معيشي معقول، رغم تراجع مكانتها في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الفئات والشرائح العمالية الحديثة، ضمن اقتصاد يأخذ بآليات السوق وقوانين الاقتصاد الحر، الأمر الذي فرض ويفرض، على الدوام، إعادة التقويم والنظر في التجربة التنموية، وتطوير الأنظمة والإجراءات والقواعد، التي لم تعد تتواءم مع متطلبات الحياة والواقع المتجدد.