آخر تحديث: 9 / 4 / 2020م - 2:22 م  بتوقيت مكة المكرمة

التنافس على الوصول للبيت الأبيض.. قراءة أولية

يوسف مكي * صحيفة الوطن السعودية

بتسمية الحزب الجمهوري في مؤتمره العام الذي عقد في تامبا بولاية فلوريدا الحاكم السابق لولاية ماساتشوسيتس، ميت رومني مرشحا للحزب، في التنافس على كرسي الرئاسة، في مواجهة الرئيس الأميركي باراك أوباما، دخلت الانتخابات الأميركية مرحلة جديدة. ويتوقع المراقبون أن تكون هذه الحملة قاسية ومريرة بسبب الفارق الضيق في الأصوات المؤيدة لكليهما، وفقا لآخر الاستطلاعات، وأيضا نتيجة لحدة الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد.

في هذا الحديث وأحاديث قادمة، سوف نتابع حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية بالقراءة والتحليل، ومحاولة استشراف من هو الأكثر حظا بين المرشحين المتنافسين على كرسي الرئاسة بالفوز بمقعد الرئيس للسنوات الأربع القادمة، التي تبدأ في فبراير القادم.

التنافس على الرئاسة في الولايات المتحدة، يمثله على الصعيد الرسمي شخصان، أحدهما ينتمي إلى الحزب الديموقراطي، هو الرئيس أوباما، والآخر جمهوري هو ميت رومني. بمعنى أن الصراع في حقيقته هو بين الحزبين، وأن دور المتنافسين هو تطبيق برنامجي حزبيهما في حالة الفوز. والحزبان يحملان أيديولوجيا سياسية وانتماء اجتماعيا. وينتمي المرشح في معظم الأحيان للطبقة التي يمثلها الحزب.

فالرئيس أوباما، يحمل عقيدة الطبقة الوسطى، التي هي عقيدة الحزب الديموقراطي، وهو في ذات الوقت ينتمي اجتماعيا لهذه الطبقة. ورومني، يحمل عقيدة الطبقة الرأسمالية، التي يعبر عنها أيديولوجيا الحزب الجمهوري. وهو رجل أعمال، ومعروف بثرائه الفاحش، حقق نجاحات باهرة في القطاع الخاص. وتولى منصب حاكم ولاية ماساتشوسيتس في الفترة 2003 - 2007. وحاول الوصول إلى البيت الأبيض بالدورة السابقة، لكنه فشل في مواجهة رفيقه الجمهوري جون ماكين، الذي رُشح عن الحزب الجمهوري للتنافس مع باراك أوباما، الذي تمكن من إلحاق الهزيمة به والفوز بمعقد الرئاسة.

هذا التمييز، بين عقيدة الحزبين، يستدعي، أمورا أخرى، في مقدمتها صفة الاستمرارية والثبات والتجانس لدى المنتمين للحزب الجمهوري. أما في الحزب الديموقراطي فنحن أمام لوحة فسيفسائية، عابرة للأجناس والأديان والطبقات، حيث يلتئم المنتمون للطبقة المتوسطة، تجار ومثقفون وموظفون وكسبة، وفنانون وإعلاميون وأقليات قومية لهذا الحزب.

الذين أتيح لهم مشاهدة انعقاد مؤتمر الحزب الديموقراطي يعرفون كم هو أكثر لمعانا وبهجة وحيوية من المؤتمرات العامة التي يعقدها الجمهوريون. وينعكس ذلك في نتيجته على أعمار المرشحين للرئاسة بين الحزبين. فخلال الخمسة عقود المنصرمة، وصل إلى سدة الرئاسة في مطلع الستينات من القرن المنصرم أصغر رئيس في التاريخ الأميركي هو جون كنيدي. وفي التسعينات وصل شاب آخر هو بيل كلينتون إلى البيت الأبيض، واستمر في سدة الرئاسة دورتين. وفي المقابل وصل شيوخ وعجزة إلى البيت الأبيض، ينتمون إلى الحزب الجمهوري، بضمنهم دوايت أيزنهاور ورونالد ريجان، وجورج بوش الأب. وإذا ما طبقنا هذه المقاربة على الحاضر، فإن الرئيس الحالي، أوباما يبلغ من العمر 51 عاما الآن. وحين تسلم سدة الرئاسة لم يتجاوز عمره 47 عاما، نافسه خلالها جون ماكين الذي يكبره بعدة عقود. والمنافس الجمهوري الحالي، رومني يبلغ من العمر 65 عاما.

هذه المقدمة تقودنا إلى النقطة الجوهرية الثانية في هذه القراءة، هي البرامج التي يتعهد كل مرشح بتطبيقها في حالة فوزه بمقعد الرئاسة. وقد تناولنا هذه البرامج عند قراءتنا التحليلية للانتخابات الأميركية السابقة. وقراءة هذه البرامج ليست عملية اعتباطية، لأنها هي التي تتيح لنا تقديم تحليل استشرافي، عمن نرجح فوزه بمقعد الرئاسة في الانتخابات التي ستجري في نوفمبر القادم.

وطبيعي أن تنبثق هذه البرامج من طبيعة هيكلية وعقيدة الحزبين. فمطلب الطبقة العليا، هو تخفيض الضرائب، ورفع سيطرة الدولة عن الاقتصاد. ومعنى ذلك تقلص دخل الدولة، بما يقتضي تخفيض الخدمات التي تقدمها الدولة، والنيل من المكتسبات التي تتحقق اجتماعيا أثناء هيمنة الديموقراطيين. ويستتبع ذلك تخفيض أعداد موظفي الدولة، وأحيانا يصل الأمر إلى تقليص أعداد أفراد الشرطة، بما يسهم في رفع مستوى الجريمة، وتحقيق الكساد، وزيادة أعداد العاطلين، وبقاء نسبة كبيرة منهم دون مأوى.

على النقيض من ذلك، يعمل المرشح الديموقراطي، على رفع مستوى الضرائب بشكل تصاعدي، وتضخيم الأجهزة البيروقراطية، لمقابلة استحقاقات الناس. وتتحقق في ظل هيمنة الحزب الديموقراطي، دولة الرفاهية، وتتحسن الخدمات الصحية والتعليمية. وتسود حالة من الانتعاش الاقتصادي.

وما دام الحال، هو كما شخصناه، فلماذا يقبل الأميركيون عموما أحيانا ببرنامج الحزب الديموقراطي، حيث الانتعاش، وأحيانا ببرنامج الحزب الجمهوري حيث الانكماش الاقتصادي.

والجواب هنا يرتبط بمعادلة دقيقة، تؤدي بنتيجتها إلى وصول أحد المرشحين لسدة الحكم. فالانتعاش الاقتصادي من شأنه أن يرفع نسبة التضخم، بشكل تصاعدي حيث ترتفع أسعار البضائع والخدمات والمساكن، بشكل لا يكون بمستطاع محدودي الدخل التعامل معه.

وهنا تنتقل الدورة الاقتصادية من حالة التضخم، إلى حالة أخرى، بين التضخم والانكماش في المراحل الأولى لوصول الحزب الجمهوري. لكن استمرار ذلك هو رهن بالمستوى الذي بلغه التضخم أثناء هيمنة الديموقراطيين. فإذا كانت حالة التضخم عالية جدا، فإن معالجتها قد تتطلب أكثر من دورة انتخابية يفوز بها الجمهوريون، وإذا كانت ضئيلة فإن دورة واحدة تكفي لمعالجة الأزمة، لينتقل الحال بعهدها إلى سيادة حالة من الانكماش، ربما تسبب في انهيار اقتصادي كالذي حدث إثر أزمة الرهن العقاري في نهاية عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن. وهكذا تستمر الدورات الاقتصادية، ووصول الرؤساء إلى سدة الحكم بشكل متعاقب.

بعد هذه القراءة، يواجهنا السؤال الرئيسي: من الرئيس الذي سيكون أكثر حظوة في الفوز بمقعد الرئيس في انتخابات نوفمبر القادم؟ ذلك سيكون موضوع مناقشتنا في الحديث القادم بإذن الله.