آخر تحديث: 20 / 2 / 2020م - 12:47 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كذبة التدريب العربي

محمد العباس * صحيفة اليوم

الإعلانات المتواترة في وسائل الإعلام عن دورات تدريبية في مختلف الحقول لتطوير الذات، توحي بأن العالم العربي يعيش بالفعل حالة صاعدة في إعداد الكوادر المؤهلة للأخذ بالإنسان العربي نحو قفزة حضارية. حيث تنطرح فكرة التدريب كمقترح متقدم للتماس مع آخر المبتكرات المعرفية، والنهل منها على قاعدة التضايف، أي التفاعل مع منتج «الآخر» من منطلق التأثير والتأثُّر. على اعتبار أن التماس معه مطلب من مطالب النهضة والتنمية. أو هذا ما يبدو عليه مظهر تلك الاندفاعه المهيمنة على المشهد.

ولكن الأمر في الغالب لا يعدو كونه كذبة كبيرة يتواطأ عليها مجموعة من المنتفعين، يأتي في مقدمتهم المدرب، الذي يتصدى بادعاء وجهالة لكل المستحدث من النظريات، كما يشترك معه المتدرب في تمرير كذبته من أجل الحصول على ورقة مختومة، هي بمثابة شهادة تكفل له الترقي وظيفياً أو التباهي اجتماعياً أو حتى استدخال نفسه في اللعبة كمشروع مدرب محترف. فيما تقف المؤسسة الرسمية كشاهد زور على ذلك التزييف الصريح لفكرة التدريب والتنمية، في ظل صمت مطبق، أو لا مبالاة من مراكز التنمية البشرية التي يُفترض أن تقوم بمهمة ضبط سوق ومدارس التدريب وإعداد المدربين وتصنيف ذلك الاشتغال التنموي وفق معايير علمية وخبراتية معروفة.

كل يوم يتم الإعلان عن برامج لإعداد المدربين المحترفين، ودورات إدارية، لتأهيل خبراء تدريب في البرمجة اللغوية العصبية، والعادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية، وتقنية القبعات الست، والذكاء العاطفي، والحرية النفسية… إلى آخر منتجات تطوير الذات القائمة على تفعيل العلوم الإنسانية الحديثة. وكل هذه معارف وعلوم وخبرات تولدّت ضمن حاضن مغاير للمجتمع العربي، ينبغي الاعتراف بالمديونية له، والتعاطي مع منتجه على هذا الأساس. إلا أن أغلب المشتغلين بالتدريب يقومون بتحريف تلك النظريات والمناهج، بدعوى تأصيلها عربياً، من خلال تصفيحها بما يرسب في الثقافة العربية. وبموجب ذلك الهاجس التأصيلي يتم تجزيئها، وتفصيمها، وإعادة إنتاجها في قوالب وبيئات لا تناسبها، وذلك لإزاحتها عن جذرها المعرفي بغية أسلمتها، بعد تقويض قاموسها الإصطلاحي، وتفكيك مفاعيلها اللفظية التي لا تنفصل عن جوهر تفكير منتجها.

ويبدو أن أغلب ذلك العبث المستفز، إنما يحدث كاستجابة لمتطلبات السوق، فالأسلمة تغذي نكوصات المتدرب، وتتجاوب مع حالة إسلاموية أعم، تكاد تكون طقساً حياتياً شاملاً. لدرجة أن سمت المدرّب لا يتطابق حتى من الناحية الشكلية مع اشتراطات النظرية، بقدر ما يتطابق مع الحالة الاجتماعية، والأهم أن هذا المدرّب الذي يكتسب مع المِران شروط اللعبة، يصبح بمقدوره تضخيم الكذبة وترويجها، فأغلب المدربين يحيطون أنفسهم بهالة من القدسية يتم ترسيخها بواسطة المريدين والمنتفعين، حيث يتأطر اسم المدرب دائماً بألقاب رنّانة، وقائمة طويلة من الشهادات والدورات الخادعة، مع حفلة بروباغاندا تكفل له ذر الرماد في عيون المتدربين، والأخطر أن بعض المدربين يزعمون تتلمّذهم على أيدي كبار المدربين العالميين المنتجين للمعارف والعلوم المؤثرة في اللحظة الراهنة. وبدون أدنى خجل ولا رادع علمي يدعون تعديلهم لنظريات «الآخر» وتصحيحها.

ومن المثير للسخرية أن الكثير من المراكز التدريبية تصدم المتدرب بمزاعم عن تصديها أو حملها لخطة تدريبية استراتيجية مغرية، لا يوجد منها أي شيء إلا على الورق. فالخطة غير مبنية على دراسة موثّقة للتجاوب مع خطط منظمات التنمية البشرية المعروفة، وبالتالي فهي غير متوافقة مع سوق العمل، ولا مع الاحتياجات الثقافية والاجتماعية. الأمر الذي يفسّر تآكل صدقية أكثر المراكز، وانفضاح أمرها عند أول اختبار، مقابل تكثُّر واضح وممجوج لطابور طويل من المدرّبين الذين استمرؤوا كذبة التدريب السهل، وانخرطوا في تأهيل جيلٍ أقل وعياً وكفاءة من سابقه.

ناقد وكاتب