آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 1:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الطائفية.. من الاستغفال إلى الاستغلال

محمد بن علي المحمود صحيفة الرياض

تبدو المجتمعات الإسلامية اليوم وكأنها تعيش لحظة انفجار الاصطفاف الطائفي، لا بوصفها لحظةً عابرةً في الراهن، سرعان ما تزول، وتطمرها دورة الحياة بمفاجآتها وتقلباتها وتنوعاتها اللامتناهية، وإنما بوصفها لحظة البداية للمستقبل الموعود أو الواعد، لحظة ولادة الهويات التي تصنع مستقبل أجيال وأجيال، لحظة ستمتد على مدى زمني غير محدود، كما ستستحكم فيها - وبها - حلقات التعصب والاصطفاف، بل والاحتراب، إلى مدى في ميدان التطرف غير محدود أيضا.

الطائفية، من حيث هي انكفاء وانغلاق واصطفاف، بنية تعصّب، لا تنمو إلا في بيئة تفتقد الحد الأدنى من ثقافة التسامح، تلك الثقافة التي لا تُصنع بالشعارات، ولا بالرغبات، بل ولا بالأماني الصادقة؛ ما لم يرافقها أمر تنفيذي واسع المدى، بحيث يضع البدايات الفعلية لرؤية تسامحية عامة، تتخلل مسام المجتمع على مستويين: مستوى الثقافة الجماهيرية العامة؛ بما فيها من إعلام وتعليم وفنون، ومستوى قانوني مفصّل، يُلجم نزوات الجنون عند أولئك الذين يعتاشون على إذكاء نار التعصب المذهبي والطائفي، مستغلين مساحات الجهل في عقول الأغلبية الساحقة من جماهير خير أمة أخرجت للناس!.

لايمكن الحديث عن الطائفية بمعزل عن الحديث عن بنية التعصب من حيث هي بُنية ثقافية - سيكيولوجية، مرتبطة بجدل الواقع والتاريخ. بل هي - من زاوية أخرى - جزء من سياق فلسفي أوسع في الفلسفة الإنسانية، أقصد ذلك الجزء المرتبط ب «مسألة الآخر»، بكل ما يرتبط بهذه المسألة من جدل فلسفي، وديني، وسياسي، وثقافي عام.

مسألة الآخر في ثقافتنا، لم يتم التعاطي معها بجدية توازي حجم ما تبعثه من إشكاليات في الراهن العربي / الإسلامي؛ مع أنها مسألة مُلِحّة في راهنيتها من جهة، وذات ارتباط وثيق بمعظم الإشكاليات المزمنة والمستعصية، التي تشل قدرة العالمين: العربي والإسلامي على النهوض.

ولا ريب أن هذا التجاهل أو التغافل أو التجاوز الذي رافق التعاطي مع هذه المسألة، نابع من كونها تتماس مع الأسس الاعتقادية للتقليدية الاتباعية، تلك التقليدية المتطرفة التي لا تجد مشروعيتها إلا في صناعة وتصدير إيديولوجيا كراهية الآخرين

لازلتُ أذكر كيف أن أحد كبار التقليدية تضايق من الانتشار التداولي لمصطلح «الآخر»، زاعماً أنه - كمصطلح يُراد له أن يكون بديلًا لمصطلح شرعي، يقصد مصطلح: «كافر»، وأن الليبراليين والعلمانيين والحداثيين والتنويريين «هكذا يقول، بالجملة!» يُريدون التقرّب من «الكفار»، والتزلف إليهم، ومهادنتهم، بل ومداهنتهم؛ بوصفهم بهذا الوصف «= الآخر»، المُخفّف من أعباء الازدراء.

وبعدما قدّم هذا التوضيح التحريضي، بهذا المستوى التجهيلي، دعا جماهيره / مستمعيه، أولئك الذين يتحدد وعيهم بحدود جهله، إلى نبذ هذا المصطلح الجديد «= الآخر»؛ لأنه يُخفف من حدة العداء للكافرين، وشريعتنا السمحة تأمر أتباعها - كما يقول ويزعم - بوجوب اعتقاد كراهية الكافرين «= غير المسلمين»، حتى ولو كانوا مُسالمين، بل حتى ولو كانوا من الأصدقاء الأوفياء المخلصين!.

مشكلة هذا التقليدي، وأمثاله من ممارسي التقليدية الاتباعية، أنهم معزولون تماما عن الخطاب الفلسفي المعاصر، وعن كل ما طفا على ضفافه من خطابات ومقولات.

إنهم لا يعون الواقع إلا من خلال معايير تراثية تقليدية، معايير قد انتهت صلاحية استعمالها منذ قرون. ولهذا لا يعون الخلفيات الفلسفية لبعض المصطلحات المتداولة ثقافياً وإعلامياً، لا يعون أن مصطلح «الآخر» مقصود لذاته، من حيث هو يعبر عن الموقف الذي تتخذه الذات «بكل صورها وتنويعاتها» في تعاطيها مع كل «آخر»، وهو الذي قد يكون - في بعض الصور - أخاً في الدين، أو أخاً في الوطنية، أو حتى أخاً في النسب، ولكنه «آخر» بالنظر إلى هوية الذات.

يتم استخدام مصطلح «الآخر» في تناول إشكالية علاقة المسلم مع غير المسلم؛ لأن الإشكالية ليست في المسلم ولا في غير المسلم، وإنما هي في أصل الرؤية، أصلها الثقافي والسيكيولوجي؛ وليس في التفصيل الديني الذي تتجاذبه متاهات التأويل.

وبتبسيط مُخل؛ ولكنه ضروري للتوضيح، نقول: إن الذي يتخذ موقفا عدائيا ومُتأزما من الآخر «= غير المسلم»، هو - بالضرورة الثقافية والسيكيولوجية - يتخذ موقفا عدائيا من الآخر، أياً كان هذا الآخر، حتى ولو كان مُسلما مُتّفقا في المذهب، بل ولو كان متفقاً في المدرسة الفقهية.. إلخ صور الاتفاق؛ لأن هناك نوعاً من الاختلاف لابد أن يوجد حتما، سواء أكان خلافا عرقيا أم وطنيا أم مناطقيا أم قبليا أم طبقيا أم مؤسساتيا أم مهنيا، أو حتى فردياً.. إلخ من صور الاختلاف.

مقابل ذلك، تكون الذات التي تكشف عن هوية الآخر «نسبة إليها» ذاتاً متنوعة بحسب السياق. فقد تكون ذاتاً فردية مقابل كل الآخرين «وكل الآخرين هم الآخرون، الذين هم الجحيم بحسب سارتر»، وقد تكون هذه الذات عائلة أو قبيلة، وقد تكون قرية أو مدينة أو منطقة أو وطنا، وقد تكون هوية دينية أو مذهبية، وقد تكون تجمعا مهنيا.

المهم، أن ثمة نوعاً من الخلاف «وهو طبيعي من حيث كونه واقعة ترسم حدود الهويات الصغرى والكبرى، ولا مشكلة فيه ابتداء، وإنما المشكلة في تصوره أولًا، وفي طريقة التعامل المبنية على هذا التصور ثانيا»، يفصل - على مستوى الواقع - بين ذات وآخر، أياً كانت هذه الذات، وأياً كان هذا الآخر.

من هنا تكون الهوية هويّات مُتناحرة، هويات لا للتنوع المفضي إلى التشارك والتعاضد، وإنما هي هويات للنبذ والاصطفاف. أي أنها مشروع مُحَاصَصة تعصبية، تجد مشروعيتها في تحديد النسبة «المشروعة!» من الولاءات والعداوات.

وبناء على هذا «أي وفق هذا التصور السقيم»، فكل ذات هي موقف عدائي من آخر، كل ذات لابد لها من آخر، لا لمنحها هويتها كذات تجد هويتها في الاختلاف، وإنما لتحديد وجودها كفاعل كراهية، ككاره يتطلب بالضرورة مكروها. أي أنها كذات لابد لها من عدو مكروه، لابد لها من موضوع كراهية، ولا يتحدد وجودها إلا من خلال هذا الموضوع.

لهذا السبب، أدرك المشتغلون على مساءلة إشكالية «الآخر» في منظور الذات، أن الإشكالية لا تتحدد في أن يهودياً يكره مسيحياً، أو أن بوذياً يكره مسلماً، أو أن مسيحياً يكره وثنياً، أو أن مسلماً يكره ملحداً، كما لا تتحدد في أن بروتستانتيا يكره كاثوليكيا، أو أن سنيّاً يكره شيعياً، أو أن شيعيا يكره ناصبيا، أو أن أشعريا يكره معتزليا.. إلخ..

الإشكالية ليست في هذه الكراهيات، أقصد ليست في أن كل انتماء هنا يستلزم «وفق الرؤية التعصبية» كراهية كل من هو خارج حدود الانتماء، وإنما الإشكالية في أصلها وجوهرها، أن هناك تعصباً أعمى للذات، تعصبا لا يتصور اكتمال الذات كهوية إلا بكراهية الآخر، وتحويله من مجرد إنسان مختلف، مقبول في حدود اختلافه، إلى كائن خَطِرٍ متآمر - بالضرورة - على الذات.

هذا ما جعل المثقفين الواعين بالأبعاد الفلسفية والسيكيولوجية لمسألة الآخر، لا يتناولون المسألة من مستوى تفصيلي، بحيث يناقشون مسألة كل دين، وكل مذهب على حدة، وإنما بحثوا المسألة من منظور أعمق وأشمل.

إنهم لم يتجنبوا مصطلح الكافر لأنهم يتلطفون مع غير المسلم «فلا ضير في أصل التوصيف؛ لأن كل مؤمن بعقيدة ما، هو بالضرورة كافر بسواها، فهو مؤمن وكافر في آن، والآخر يرى الصورة بالمقلوب، فهو أيضا مؤمن وكافر»، وإنما حل المشكلة من جذورها، حاولوا مساءلة أصل الإشكال.

من أجل أن ترى أبعاد المشكلة، من أجل أن تكون الصورة أوضح، تأملْ في واقعك اليومي، في واقع الانتماءات وما يرافقها من ولاءات وعداوات على كل المستويات. حينئذٍ ستجد أن الداعية المتطرف الذي يهتف بكراهية غير المسلمين، ويدعو عليهم بالويل والثبور والهلاك العاجل؛ فيبدو وكأنه يصدر بذلك عن توجيه عقائدي حاسم، صرّح به أم لم يصرح، هو ذاته الذي يُعلن كراهيته وعداوته للمسلم المختلف معه مذهبياً، وهو ذاته الكاره والمعادي لمن يتفق معه مذهبيا، ولكن يختلف معه في تبني بعض الفتاوى والرؤى التي يصمها بالزيغ والضلال، وهو ذاته المتعصب لمدينته، أو لقريته، أو لمنطقته «التي يتصورها الفرقة الناجية، وما سواها في النار!»، وهو ذاته المتعصب لمهنته ضد كل المهن - ازدراء وتهويناً -، وهو ذاته المؤمن بخرافة تكافؤ النسب، بل والمتعصب لكل أشكال التعنصر القبلي، وهو ذاته الذي يتعصب لحارته ولشارعه ولمسجد حيه الخاص.. إلخ، صور التمحور حول الذات، في مقابل البحث عن «آخر» لمنحه قدرا من العداء والازدراء.

طبعا، لا يعني تغاضيه عن مفردة واحدة من هذه المفردات، أنه خرج بهذا الاستثناء عن المتن التعصبي العام الذي يتضمنه. فهو - إن وقع - خروج استثنائي، قد يكون لظرف استنفاعي خاص، ولكن مرده في النهاية إلى ذات التصور التعصبي الذي تتناسل من خلاله دوائر التعصب إلى ما لانهاية، ومن ثم دوائر النبذ والكراهية والإقصاء.

حتى داخل المدرسة الواحدة في التيار الواحد، تجد مثل هذا الاصطفاف العدائي. خذ مثلا التيار التقليدي الاتباعي، الذي يبدو في طرحه العام وكأنه خطاب متسم بالوحدة والانسجام. لو تفحصت أدبياته؛ فلن ترى هذه الوحدة ولا هذا الانسجام في داخله، بل سترى التشظّي والتشرذم والانقسام الذي قاد إلى أن يكره كل فصيل بقية الفصائل الأخرى، وأن يعاديها أشد ما يكون العداء، وكأن كمال التدين لا يتم إلا بنبذ كل من لا يتطابق مع الذات «والتي قد تضيق إلى حدود الفرد الواحد» تطابقا تاما في كل الأشياء.

من الطبيعي أن يحدث مثل هذا العداء المستعر داخل التيار الواحد والمدرسة الواحدة؛ لأن التقليدية الاتباعية تُشكل بنية تعصب وانغلاق، إنها تصنع - بضرورة تركيبتها البنيوية - في أتباعها حالة تعصب واصطفاف قابل للتناسل إلى ما لا يخطر بالأذهان.

لهذا أصبحت التقليدية الاتباعية جماعات متناحرة، على الأقل، فكريا «وهو فكري إلى حين، ففي بعض مواطن الصراع ظهرت بوادر الصِدام»، بحيث بدت وكأن المهمة الدينية الدعوية لكل فصيل قد تراجعت إلى مهمة احترابية، تتحدد في توجيه ودعم الاتهامات المجانية بالتبديع والتضليل؛ لأن كل فصيل في هذا السياق التعصبي بدأ ينظر إلى الفصيل المقابل ك «آخر»، فالكل أصبح «آخر» داخل هذا التيار الاتباعي الامتثالي الانغلاقي الذي لا يسمح بالخلاف، ولا يتسامح مع الاختلاف.

من هنا، نجد أن الموقف من الآخر عند هؤلاء يعكس «حالة تعصب»، تُنتج حالة عداء، عداء لكل ما هو خارج الذات «والذات هنا تضيق وتتسع بحسب الظروف التي ترسم حدودها وقائع الصراع».

إنها «حالة»، بكل ما يستلزمه هذا التوصيف من ضرورة إرجاع الإشكالية إلى ما يتجاوز حدود الموقف الفكري التفصيلي الذي يبدو في صورة تعاليم شرعية لا تقبل الجدال.

إذن، الموقف من الآخر، أياً كان هذا الآخر، هو القاعدة الأولى التي يجب أن تفحص الإشكالية الطائفية على ضوئها.

لايمكن أن أتسامح طائفياً، أي في الخلاف الطائفي، وأنا لا أتسامح فيما هو أعلى «= الخلاف الديني مثلا»، ولا فيما هو أدنى «= الخلاف الفقهي مثلا». المسألة هي تركيبة ثقافية سيكيولوجية يجب تفكيكها بالكامل، يجب تناولها على كل المستويات، وفي كل الميادين. لايمكن أخذ الجزئية المرتبطة بالاختلاف الطائفي، والاشتغال عليها وحدها للوصول إلى تصور تسامحي للتعايش بين الطوائف في المجتمع الواحد.

لابد أن نبدأ من الأصل، من وضع اللبنة الأولى، من التأسيس لخطاب الإنسان، من تثبيت الإنسان كأصل الأصول، بحيث يستعصي على كل محاولات الاختراق التعصبية التي تتذرع بالدين أو بالطائفة أو بالعرق أو بالوطن أو بالمنطقة؛ لنصل ولو إلى بعض ما وصل إليه العالم المتحضر من تجاوز لكل أشكال التعصب، ومن التأسيس لقاعدة مَدنية محايدة، تُجرّم الكراهية، وتضع - على المستوى الثقافي والقانوني - بيئة لا استثمار فيها إلا لمشاريع المحبة والسلام..