آخر تحديث: 20 / 8 / 2017م - 1:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

التزوير عاريا

محمد العلي * صحيفة اليوم

«يقول الخيال:

وقفت وما في الموت شك لواقف

كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة

ووجهك وضاح وثغرك باسم

تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى

إلى قول قوم: أنت بالغيب عالم

ألا أيها السيف الذي ليس مغمدا

ولا فيه مرتاب ولا منه عاصم...»

ويقول التاريخ:

«ثم دخلت سنة «351 هـ » فيها كان دخول الروم إلى حلب، صحبة الدمستق ملك الروم لعنه الله في «200» ألف مقاتل بغتة، فنهض إليه سيف الدولة بمن حضر عنده من المقاتلة، فلم يقو به لكثرة جنوده «...» وكان سيف الدولة قليل الصبر ففر منهزما في نفر يسير من أصحابه، وأول ما استفتح به الدمستق قبحه الله، أن استحوذ على دار سيف الدولة، وكانت في ظاهر حلب، فأخذ ما فيها من الأموال العظيمة والحواصل الكثيرة والعدة وآلات الحرب «...» وأخذ ما فيها من النساء والوالدان وغيرهم... إلخ».

أيها السيد:

قلب بصرك بين النصين ثم قل لي: ماذا ترى؟

ستقول ببلاغة مسرعة: أرى شهما شجاعا.. يكاد يعلم الغيب، وتمر به الأبطال مذعورة، وحتى الموت يحيط به إحاطة الجفن، ولكنه لا يؤثر فيه لأن الموت نائم، والنائم لا يرى.. إني أرى سيفا مرهفا ليس مغمدا ولا عاصم منه أبدا، ولا يخطر ببال أحد الارتياب في فتكه.

وعلى الجانب الآخر أرى وغدا رعديدا فر من المعركة، وترك نساءه وأولاده للسبي، وفر مذعورا بجلده.

سقت هذا الكلام لا لأهدم ما زرعه المتنبي في أذهاننا من كواكب وأشجار وأنهار تسمى مناقب سيف الدولة.. هذا الطاغية الجبان.. كلا.. بل لألفت النظر إلى ما في تاريخنا كله من افتراء على الحقيقة وتزييف لها.. ترى كم فيه من صراعات دامية بين خصب الخيال وجدب الواقع.. بين الماء والسراب بين العدل والطغيان. لقد تناهبتنا الأساطير والأوهام والغربة عن الواقع منذ الصغر فتخيلنا التاريخ سلسلة من اللؤلؤ صاغها الشعراء وبقينا على سراب هذا الخيال إلى أن صفعنا الواقع وركلنا التاريخ. التزوير عاريا

محمد العلي

«يقول الخيال:

وقفت وما في الموت شك لواقف

كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة

ووجهك وضاح وثغرك باسم

تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى

إلى قول قوم: أنت بالغيب عالم

ألا أيها السيف الذي ليس مغمدا

ولا فيه مرتاب ولا منه عاصم...»

ويقول التاريخ:

«ثم دخلت سنة «351 هـ » فيها كان دخول الروم إلى حلب، صحبة الدمستق ملك الروم لعنه الله في «200» ألف مقاتل بغتة، فنهض إليه سيف الدولة بمن حضر عنده من المقاتلة، فلم يقو به لكثرة جنوده «...» وكان سيف الدولة قليل الصبر ففر منهزما في نفر يسير من أصحابه، وأول ما استفتح به الدمستق قبحه الله، أن استحوذ على دار سيف الدولة، وكانت في ظاهر حلب، فأخذ ما فيها من الأموال العظيمة والحواصل الكثيرة والعدة وآلات الحرب «...» وأخذ ما فيها من النساء والوالدان وغيرهم... إلخ».

أيها السيد:

قلب بصرك بين النصين ثم قل لي: ماذا ترى؟

ستقول ببلاغة مسرعة: أرى شهما شجاعا.. يكاد يعلم الغيب، وتمر به الأبطال مذعورة، وحتى الموت يحيط به إحاطة الجفن، ولكنه لا يؤثر فيه لأن الموت نائم، والنائم لا يرى.. إني أرى سيفا مرهفا ليس مغمدا ولا عاصم منه أبدا، ولا يخطر ببال أحد الارتياب في فتكه.

وعلى الجانب الآخر أرى وغدا رعديدا فر من المعركة، وترك نساءه وأولاده للسبي، وفر مذعورا بجلده.

سقت هذا الكلام لا لأهدم ما زرعه المتنبي في أذهاننا من كواكب وأشجار وأنهار تسمى مناقب سيف الدولة.. هذا الطاغية الجبان.. كلا.. بل لألفت النظر إلى ما في تاريخنا كله من افتراء على الحقيقة وتزييف لها.. ترى كم فيه من صراعات دامية بين خصب الخيال وجدب الواقع.. بين الماء والسراب بين العدل والطغيان. لقد تناهبتنا الأساطير والأوهام والغربة عن الواقع منذ الصغر فتخيلنا التاريخ سلسلة من اللؤلؤ صاغها الشعراء وبقينا على سراب هذا الخيال إلى أن صفعنا الواقع وركلنا التاريخ.

كاتب وأديب