آخر تحديث: 18 / 12 / 2017م - 10:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

في تداعيات ما بعد النكسة

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

قلنا في الحدث السابق، إن نكسة الخامس من يونيو/حزيران لم تكن حدثاً عابراً في التاريخ العربي، والمعنى يشير إلى النتائج الكارثية لفشل الجيوش العربية مجتمعة، في مواجهة العدوان. وكان طبيعياً جداً، أمام هذا الفشل أن تكون النتائج كارثية ومروعة. فالجيوش العربية، التي أعدت قرابة عقدين، لتحرير فلسطين، والتي منحت في حينه شرعية النظام العربي الرسمي، عجزت عن التصدي لجيش الاحتلال «الإسرائيلي». وتمكن العدو في الساعات الأولى من حسم الحرب على الجبهة المصرية، ولم تتعد فترة الحرب خمسة أيام تمكن خلالها الصهاينة من هزيمة ثلاثة جيوش عربية.

عم الحزن والغضب الشارع العربي بأسره. وتراجع الأمل في تحرير فلسطين. ومنذ ذلك الحين استبدل شعار التحرير بإزالة آثار العدوان. ومع تراجع شعار تحرير فلسطين تراجعت الشعارات القومية في الوحدة العربية، وحل التضامن العربي بديلاً عنها.

عقد القادة العرب مؤتمرهم لمعالجة آثار النكسة، في العاصمة السودانية الخرطوم، وبدت حالة الانفصام السياسي واضحة في أطروحات القادة العرب في تلك القمة. فمن جهة طرحت شعارات صاخبة، تمثلت في اللاءات الثلاث: لا صلح لا اعتراف ولا مفاوضات لدغدغة مشاعر الجمهور والتخفيف من حالة الاحتقان الشعبي، ومن جهة أخرى، فوض القادة العرب كلاً من حكومتي مصر والأردن للتوصل إلى حل سياسي يضمن استعادتهم للأراضي التي احتلها الصهاينة في حرب يونيو.

وفي زحمة اليأس والقنوط، والشعور الشامل بالإحباط والعجز عن مواجهة الغطرسة الصهيونية، والرد على انتهاكاتها المتكررة للأجواء والأراضي العربية، برزت المقاومة الفلسطينية، بعملياتها المحدودة، كبديل عن الجيوش العربية. واتجه الشباب العربي من كل حدب للالتحاق بفصائلها. وبات المقاتل الفلسطيني في نظر العرب جميعا، قديساً يعيد لنا شيئاً من الكرامة المفقودة.

وتعزز هذا الشعور بعد معركة الكرامة، على الجبهة الأردنية، حين تسللت قوة صهيونية إلى الأردن، فتصدى لها الجيش العربي الأردني على طول جبهة القتال من أقصى شمال الأردن إلى جنوب البحر الميت بقوة. وفي قرية الكرامة اشتبك الجيش العربي الأردني مع الفدائيين الفلسطينيين في قتال شجاع شرس ضد الجيش «الإسرائيلي» وكانت معركة طويلة استمرت أكثر من عشر ساعات، وانسحب الصهاينة بعدها حاملين قتلاهم وجرحاهم.

وكانت تلك نتائج معركة الكرامة، بداية تحول في مسار الثورة الفلسطينية المعاصرة. لقد برزت هذه المقاومة في حينه بديلاً عن الجيوش العربية. وتصدرت صورة عرفات كبريات الصحف العالمية، ومن بينها مجلة «التايمز» اللندنية التي احتلت صورة عرفات غلافها، وكتب تحتها «الثوري العالمي الجديد».

ومنذ ذلك التاريخ، بدأ القادة العرب يتقبلون حركة فتح ويقدمون لها الدعم في نضالها ضد العدو. استقبل الرئيس عبد الناصر عرفات، وتعهد له بتقديم مختلف أشكال الدعم، شريطة أن لا يتوقف إطلاق البنادق عن الأراضي الفلسطينية التي احتلت في حرب 1967، وليس على الأراضي التي احتلت في النكبة عام 1948. واستقبل الملك فيصل بن عبد العزيز في الرياض، خالد الحسن أحد القادة المؤسسين لحركة فتح، وعضو لجنتها المركزية، وتعهدت السعودية بتقديم مختلف أشكال الدعم للإخوة الفلسطينيين، شريطة عدم تدخلهم في الشؤون السياسية للبلدان العربية الأخرى.

وكان هذا التطور عاملاً رئيسياً في تسلم حركة فتح لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، حيث انخرطت معظم حركات المقاومة في منظمة التحرير الفلسطينية، وبقي الحال على ما هو عليه، منذ ذلك التاريخ، حتى يومنا هذا.

وعلى الصعيد الرسمي، بدأت المبادرات الدولية منذ وقف إطلاق النار، داعية الأطراف، بلدان المواجهة العربية، والكيان الصهيوني للتوصل إلى تسوية سياسية. وصدر القرار 242 عن مجلس الأمن الدولي، داعياً إلى نبذ لغة الحرب، واعتماد الحلول السلمية لحل المشاكل، وإنهاء حالة الحرب بين العرب والصهاينة، ومطالباً «إسرائيل» بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها في عدوان يونيو.

أرسل جونار يارنج مبعوثاً للأمين العام للأمم المتحدة للتوسط بين الأطراف المتصارعة، ولتطبيق القرار 242 آنف الذكر. وزار يارنج المنطقة عشرات المرات، ولم يستطع التقدم قيد أنملة على طريق تحقيق التسوية السياسية، وإقناع الكيان الصهيوني بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.

طرحت يوغسلافيا مبادرة للحل، رفضتها «إسرائيل» في الحال، وتقدم وزير الخارجية الأمريكية وليام روجرز بمبادرة تسوية للأزمة، قبلت بها مصر والأردن ورفضتها «إسرائيل». وفي حينه شهد الأردن صراعاً مع حركة المقاومة الفلسطينية، التي اتهمت بممارسة دور الدولة، داخل الدولة الأردنية، واشتعلت مواجهات عسكرية عنيفة بين المقاومة والجيش الأردني، وانتهت بطرد المقاومة من الأردن منذ سبتمبر/ أيلول عام 1970، حتى يومنا هذا.

ومنذ ذلك الحين، حتى الغزو «الإسرائيلي» لمدينة بيروت في صيف عام 1982، انتقلت المقاومة إلى لبنان واتخذت من حي الفاكهاني في مدينة بيروت مقراً رئيسياً لها، حتى إجبارها على الرحيل خارج لبنان، فانتقلت قيادة منظمة التحرير إلى تونس واتخذت منها مقراً لها، إلى حين توقيع اتفاقية أوسلو بين الكيان الغاصب ومنظمة التحرير عام 1993.

وبالنسبة لدول المواجهة، وتحديداً مصر وسوريا، فقد أدركت أمام فشل جميع المحاولات من أجل التوصل إلى تسوية سلمية، تمكن العرب من إزالة آثار العدوان أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها. فكانت معركة العبور عام 1973. وكانت بمثابة حرب تحريك للتوصل إلى تسوية سياسية. لم يعد الحل العسكري وحده سبيلاً لتحقيق هدف تحرير الأرض، بل بات جزءاً صغيراً وتابعاً لمشروع الحل السياسي.

لقد انتقلت المنطقة بأسرها من حال إلى حال، وتغيرت الثقافات والأفكار والاستراتيجيات والسياسات. لقد كانت النكسة حدثاً كارثياً مروعاً، ونقلة استراتيجية، باتجاه التفريط بالمبادئ والثوابت التي سادت منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وحتى يومنا هذا. وربما إلى حين.