آخر تحديث: 22 / 9 / 2020م - 1:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

يقولون: نعم للطائفية «1»

الدكتور مبارك الخالدي صحيفة اليوم

بكثير من الود والاحترام لذوي النوايا الطيبة والقلوب النابضة بمشاعر الانتماء الوطني الصادقة الذين نظموا إفطار «لا للطائفية» في الرياض، وسحور «لا للطائفية» في العوامية، ونظيرهما الذي تعثر لأسباب غامضة في الجبيل، أقول إن هذا لا يكفي، ليس تقليلا لأهمية تلك المبادرات المباركة، ولكن لإيماني بأن تحلقنا حول الموائد المثقلة بالأطعمة والتناوب في الكلام عن الطائفية، لن يكونا عصا سحرية نومئ بها على الطائفية لتتطاير في الهواء هباء منثورا.

واقول الكلام ذاته للمراهنين على الحوار كأداة فاعلة لإنهاء «الاصطفاف الطائفي»، وأضيف معترفا بأنني لا أُعول كثيرا على الحوار، ليس بشكل نهائي ومطلق، ولكن أقصد الحوار كما يمارس الآن، حيث لم يلمس له اية تأثيرات إيجابية فيما يتصل بالعديد من القضايا التي وضعت على أجندات المتحاورين في سلسلة انعقاداته في عدة مناطق ومدن.

أتفق مبدئيا مع المراهنين على أهمية وفاعلية توظيف الحوار سلاحا في المواجهة مع الطائفية ومع كل الموبقات التمييزية السائد اقترافها في المجتمع، وأتمنى أن يتفقوا معي على أن الحوار الذي نحن في أمس الحاجة إليه ليس هو الحوار «النرجسي»، الحوار من أجل الحوار، أو الذي ينظم تحت وطأة ظروف مرحلية للتنفيس عن حالات اختناق معينة، أو بمثابة طقس تطهيري تُحْرَقُ أثناءه كميات هائلة من البخور لطرد أرواح الشعور بالعجز والسلبية والذنب تجاه الكثير من القضايا والمشاكل ليحل محلها التوهم بالقدرة على اجتراح الحلول الناجعة، ثم يختتم الطقس بتربيتات وعبارات تهنئة للذات على تحقيق اختراقات متوهمة.

لكي يكون الحوار حول الطائفية حقيقيا ومثمرا، ينبغي أن يتصف بالشفافية والصراحة المطلقتين، وألاّ يُحاصرَ بأية خطوط حمراء، وأن يتعدى الطائفية الى ما أشرت اليها بـ«الموبقات التمييزية»، واقصد كل أنواع وأشكال التعصب الأخرى: العرقية والعنصرية والقبائلية والإقليمية ورهاب الآخر.. إلخ. ولا يقل أهمية عن الشفافية والمكاشفة أن ينصب اهتمام المتحاورين على: كيف! كيف ندحر الطائفية؟ كيف نخرج بالوطن سالما من أزمة «الاصطفاف الطائفي» المنذر بالتفاقم الى حد الكارثة؟ هذا النوع من الأسئلة هو ما يجدر أن يكون محورا رئيسا لأي حوار حول الطائفية بدلا من هدر الوقت والجهود بتلاوةِ مُدَبَجّاتٍ خطابيةٍ طنانةٍ عن خطرها على نسيج الوحدة الوطنية. لم نعد في حاجة لتكرار تلك المدبجات لأن فيما يجرى في بلدانٍ حولنا أدلة ملموسة على عواقبها الوخيمة.

وينبغي أن يكون حوار «الطائفية» البداية، لا الغاية والنهاية كما تمثل في حوارات سابقة، إذ أن تنامي زخم الاحتقان الطائفي الكاشف عن وجوده عبر رسائل الجوال وتغريدات التويتر و«الواتس أب» وفي مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الفضائية واحتمال تصاعده تحت تأثير الأحداث الجارية في المنطقة العربية، يفرضان تجاوز مرحلة التصدي له بمبادرات ما قبل «اضعف الإيمان» وبسرد التداعيات النوستالجية عن أيام التعايش والتسامح الغاربة. لم يعد ممكنا الاستمرار على هذا النحو فقد «بلغ سيل الطائفية الزبى».

«التعصب سلوك مُتَعَلَّم» بحسب دانيللا جيوسيفي في مقدمتها للأنطولوجيا الموسومة بـ «عن التعصب». والتعصب، في رأيي، انحياز الأنا الفردية والجماعية الإيجابي المطلق لذاتها، المتمظهر في إعلاء شأن كل ما تنتمي اليه أو ينتمي اليها وكل ما تؤمن به وتمارسه، مقابل انحيازها السلبي المطلق ضد الآخر والمُعَبِّر عن وجوده بالحط من شأن كل ما ينتمي إليه ويخصه ويصدرعنه، وصولا، في أقصى درجات التعصب، الى مناصبة الآخر العداء والتوق الى تصفيته.

الطائفية حالة من التعصب، وسلوك متعلم مكتسب مثل حالاته الأخرى، وهذا يطرح امامنا «التعليم» لكونه إحدى جبهات المواجهة معها، وهي أطول الجبهات وأكثرها أهمية؛ جبهة تمتد من الابتدائية الى الجامعة، وبإغفالها ستكون المواجهة أطول مما نتخيل مع من يقولون: نعم للطائفية!