آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 3:41 م

«مُنّ عليّ بفكاك رقبتي من النار»

منى الصالح

«اللهم اجعلنا من عتقائك من النار»

صباح أحد فجريات أواخر شهر رمضان استرعى انتباهي هذا الدعاء الذي نكرره طيلة أيام وليالي رمضان /

اللهم اعتقنا من النار

اللهم فك رقابنا من النار

ماهذه النار التي مافتئنا ندعو الله العياذ منها وَ الفكاك، وَ لِمَ هذا الربط الشديد بين شهر رمضان وَ العتق من النار؟!

هل الجنة التي نحلم وَ ندعو وَ نُلح بالطلب وَ النار التي تلهج بها ألسنتنا هي ذاك المكان الذي ستؤول إليه نهايتي بعد إنتقالي من هذه الدنيا؟!

هل يمكن لي إذن أن أعيش اللحظة بعيداً عن هذا التخويف وَ الوعيد وَ الذي يقع علينا في الحياة الأخرى؟!

أم أن لهذا الربط بشهر رمضان بالذات أبعادٌ أخرى يمكن أن تنفتح علينا؟!

أليس هذا الشهر شهر الله وَ في الحديث «من عرف نفسه فقد عرف ربه»؛ أي أن هذا الشهر هو شهر معرفة الذات وَ زيادة مساحة الوعي بها وَ بكل ماتحمل من جنة أو نار..

ألا يمكن أن تكون هذه النار التي ندعو الله ليل نهار للعتق منها تعيش في أعماقنا وَ نتلظى نارها دون أن ندرك وَ عدم معرفتنا يجعلنا نبحث في غير مواضعه؟!

ألا يمكن أن يكون الربط بالذات؛ لأن هذا الشهر فيه تدريب عملي وَ دقيق لينقلنا من النار إلى الجنة؟!

تذكرت قصة يابانية قديمة حدثت لمحاربٍ كبير أرقهُ التفكير بماهيةِ الجنة وَ الجحيم، فذهب لحكيم كبير وَ سأله ماذا يعني الجحيم؟

ف أهان الحكيم هذا المحارب وَ قال له:

من أنتَ حتى تتجرأ لتسألني!

فغضب المحارب وَ رفع سيفهُ فقال الحكيم:

إنها الجحيم!

ف استوعب المحُارب الدرس وَ هدأ وَ أرجع السيف لغمدهِ وقال:

وَ هذه الجنة بعينها!

لم لا يكون رمضان الذي هو شهر الله درس عملي كدرس الحكيم؛ للأخذ بأيدينا حيث الجنة وَ الخروج من النار بحقيقتها..

هذا الفصل مابين النار وَ نفوسنا وَ البعد الزمني هو الذي يجعلنا نقف أمام طفل يتسائل:

لِمَ فرض الصوم؟!

لنتعلثم بالإجابة:

لنشعر بالفقراء ياحبيبي!

وَ نحنُ نجدُ الواقع بعيداً جداً عن هذه المثالية؛ فالبذخ والإسراف يزدادُ في هذا الشهر على كل المستويات!

نحتاجُ أن نُفكر بإجابةٍ أكثر إقناعاً لأنفسنا وَ لأطفالنا..

ماهذه الجنة التي ندعو الله كل ليلة من الشهر العظيم أن أجعل قراي الجنة؟!

لو أطلقنا لأرواحنا وَ أفكارنا أن تُكَبِرَ مع كل مرة ننطق بالله أكبر

في اليوم وَ الليلة قد نتلفظ مئات المرات - الله أكبر - وَ نحن أضيق مانكون..!

أليس - الله أكبر - تفتحُ أمامكَ أفقاً لامتناهٍ، إن أحببت - الله أكبر - أي الطريق مفتوح لتكبر بالحب أكثر، إن ضبطت غضبك ف - الله أكبر - أي الطريق مفتوح لتكبر بالحلم أكثر وهذا هو المفهوم الذي استوحيه من استحباب الدعاء بطلب الجنة وَ العتقِ من النار في هذا الشهر.

ف فيه تدريبٌ عمليٌ لضبطِ شهوتي البطن وَ الفرج رغم أنهما من الطيب الحلال..

وَ لكن الله يريدنا أن نُمسكَ عنان أنفسنا فلا تنفلتُ برغباتها وَ غرائزها عن دائرة التحكم؛ فتصبحَ جحيماً تحياه!

نحتاجُ لتدريب سلوكي وَ لفظي لتكون سماتنا الإنسانية جنة تحمينا من جحيم شرورنا وَ تحمي الآخرين منها..

هذا الشهر هو مدرسة لتعلم القيادة، قيادة هذه القدرات الجبارة التي أودعت فينا وَ قد تكون جنة أو ناراً..

فكما استطعنا ضبط هذه الشهوات الظاهرة، فنحن قادرون على ضبط وَ قيادة الغرائز الباطنة، فلا فائدة من صيام لا يُعلمنا كبح الكراهية..!

وَ كيف لنار ندعو الفكاك منها وَ نحن نضرم نارها بغضبنا، بتعصبنا، بخلافاتنا؟!

كيف نتذوق طعم الجنة التي نصبح وَ نُمسي وَ نحنُ نتوسل للمولى أن يرزقنا إياها وَ نحنُ لا نعرفُ التسامح والسلام؟!

فهذا الدعاء حريٌ أن يأخذ بأيدينا مع هذا التدريب السلوكي العملي في نهاية هذا الشهر لجنة ننعم بها بقية عامنا، وَ يعتقنا من نار تستعرُ فَتحيلُ حياتنا لجحيم!

لنتخيل أن نطبق شهر رمضان كمدرسة تدريبية فنتدرج بكل يوم حيث نتخلى عن سمة نارية وَ نتحلى مقابلها بسمة جناوية؛ لنحصدَ نهاية الشهر ثلاثون صفة من صفات الله وَ تخليناعن ثلاثين سمة توردنا الجحيم!

حينها فقط يكون الدعاء حقيقي وَ ليس لقلقة لسان لا تُغيرنا مقدار أنملة!

فالله يريدنا بشهرهِ أن نُمثلَ صفاته/

«رمضان شهري وَ أنا أجزي به»

لِنُعتق من النار وَ ننعم بجنةٍ عرضها السموات والأرض.

اللهم مُنَّ عليَّ بفكاكِ رقبتي من النار

في من تمن عليه

وَ ادخلني الجنة برحمتك ياأرحم الراحمين

وَ أعوذ بوجهكَ الكريم يارب أن يطلعَ الفجر من ليلتي أو يتصرم شهر رمضان وَ لكَ قبلي ذنبٌ أو صفةٌ أو تبعةّ تعذبني بها.