آخر تحديث: 22 / 2 / 2020م - 12:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

.. في مزرعة البصل

حسن السبع صحيفة اليوم

«قومي رؤوسٌ كلُّهم.. أرأيتَ مزرعةَ البصل»! لا أدري لماذا لم تُوْحِ هذه الصورة الساخرة والمعبرة عن واقع الحال للروائيين العرب، وما أكثرهم، فتخرج لنا رواية واحدة بعنوان «مزرعة البصل» على غرار «مزرعة الحيوان» للكاتب الإنجليزي جورج أرويل؟

ردّدت هذه الكلمات الساخرة منذ الصغر، وبالتحديد منذ مرحلة الدراسة المتوسطة. لم أكن في تلك المرحلة المبكرة أعرف قائلَ ذلك البيت. وكان الشكل لا المعنى محطَّ إعجابي. لم أدرك، آنذاك، فداحة دلالته، أو حجم ذلك المأزق التاريخي الذي أوحى للشاعر بتلك الكلمات. فهل كانت الأحداث في تلك الأيام بهذه العتمة والمأساوية التي هي عليها الآن؟ لا أظن. ولكني أدرك، الآن، بدايات ذلك الانفلات والفرقة والتشرذم الذي عذَب روح الشاعر فقال: «للِّسْعِ نعملُ دائماً/ والنحلُ يعملُ للعسلْ/ قومي رؤوسٌ كُلُّهمْ/ أرأيتَ مزرعةَ البصلْ»! اقتبست، بعد ذلك بعقود، هذا البيت في أكثر من سياق، وقد أفعل ذلك مستقبلا إذا لزم الأمر.

كلما اتسعتْ مزرعة البصل العربية، وازداد عدد الرؤوس، وتعددت اللافتات، طفا هذا البيت الساخر على سطح الذاكرة. وماذا يفعل من لا حوْلَ له ولا طوْل غير اللجوء إلى حكمة الشعر؟

ربما يصبح الأمرُ ممتعاً ومفرحا ومبشِّرا بغدٍ أفضل، وعالمٍ أجمل، لو كانت تلك «الرؤوس» التي أشار إليها الشاعر رؤوساً مفكرة ومنتجة، لكن الأمر ليس كذلك، لا مكان لمثل تلك «الرؤوس» المبدعة في تلك المزرعة، فهي غالبا ما تبحث لها عن بيئات أخرى حاضنة لتفكر وتنتج وتبدع.

أما ما يثير الدهشة حقا فهو أن تجد من يقبل أن يكون «رأسا» في مثل تلك المزرعة، تماما كما يثير دهشتك من يعشق الصداعَ النصفي أو الكلي. لا يوجد في تلك الفوضى، وقد غاب عنها صوت العقل، إلا الصداع. لا تبحث القوى المتصارعة في تلك المزرعة عن القواسم المشتركة بينها، بقدر ما تبحث عن عناصر الاختلاف، وعن تفاصيل التفاصيل التي تكرّس الخلاف والفرقة.

كلما تأملتُ حالة الفوضى تلك تساءلت: كيف يصر على البقاء في أتون تلك الجحيم من يمتلك القدرة على الفرار. لكن، يبدو أن هنالك إغراءً لا يدركه أمثالي من الناس المسالمين. إغراء يدفع صاحبه إلى أن يكون «رأسا» في تلك المزرعة؛ ولعله الدافع نفسه الذي عبَّر عنه الكاتب الروماني إميل سيوران في كتابه «تاريخ ويوتوبيا» حيث بقول: «إن من لم تُغْوِه الرغبةُ في أن يكون الأول في المدينة لن يفقه شيئا من اللعبة..» هذا الإغراء، أو الغواية، يضاف إليهما شهوة الغلبة والانتصار، هو ما يباعد بين المتنافسين. أما المضحك/ المبكي في ذلك الواقع الغريب، فهو أن تتنافس تلك الرؤوس على ما يشبه السراب. فيأتي الصراع شبيها بـ «صراع بين أصلعين على مشط»!

بدأت مساحة هذا المقال تضيق، ولا بد لي، الآن، من توجيه رسالة إلى مؤلف تلك الكلمات الشاعر العراقي علي الشرقي «1890 _ 1964» فأقول: مازال الحال، يا سيدي الشاعر، كما تركته منذ عقود، ولعله أسوأ من ذي قبل، وما زالت المزرعة تتسع، والرؤوس تتكاثر، وما زالت كلماتك تعبر عن واقع تلك المزرعة، فاسمع نصيحة الشاعر محمد الماغوط للشاعر بدر شاكر السياب و.. «تشبّث بموتك» أيها الشاعر الجميل!