آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 2:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

أرامكو.. المروية التي لمْ.. وربما تُكتب

محمد العباس * صحيفة اليوم

حتى الآن لم تُسرد حكاية «أرامكو» ولم تُقارب حتى على المستوى الروائي بما يكفي رغم الطفرة الروائية. كما أنها كنموذج إداري يُقتدى به لم تُطرح ضمن مرجعيات مكتوبة. أما إسهامها التنموي بمعانيه الاقتصادية والاجتماعية والطبية والزراعية والثقافية، فلم يُلامس بأي دراسة. وكأنها مجرد آلة ضخمة معزولة عن النسيج الاجتماعي. بمعنى أنها ما زالت مجهولة أو يُراد لها أن لا تكتب.

لنعود إلى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حين أوكلت «أرامكو» لعميد كُتاب الغرب «والاس ستيغنر»، الحائز على جائزة البوليتزر، مهمة كتابة تاريخها على خلفية قصة اكتشاف النفط في المنطقة. إلا أن هذا الكتاب لم يظهر نتيجة اختلاف الكاتب مع الشركة حول فصول أريد لها ألاّ تُنشر للعامة. حيث بعث للقائمين على الفكرة خطاباً عام 1958 - توجد منه نسخة على الإنترنت - محتجاً على كثرة تدخلاتهم. لينطمر المشروع تحت غبار النسيان لسنوات، إلى أن اكتشف مسودته أحد موظفي ارامكو عام 1967. وحينها تم نشر الأجزاء المتفق عليها في المجلة الداخلية Saudi Aramco World على حلقات ما بين عامي 1970 - 1971.

أما الأجزاء التي لم تخضع للتحرير فقد بقيت في مكتبة جامعة يوتاه. ولم تُنشر تلك المقتطفات التي تم تحريرها في أي كتاب إلّا عام 2007 من خلال دار نشر ناشئة Selwa Press مملوكة لـ «تيم بارغر»، ابن الرئيس التنفيذي السابق لأرامكو. الأمر الذي أثار حفيظة ابن «ستيغنر»، ووكيله كارل براندت، بدعوى أن كتاب «الاكتشاف: البحث عن النفط العربي» هو مجرد نسخة مقرصنة. وأن مدراء أرامكو قد عبثوا بالكتاب الذي رفض «ستيغنر» طوال حياته أن يضع اسمه عليه لأنه لا يمثله. واستمرت المنازعات في المحاكم ووسائل الإعلام رغم وجود الكتاب في الأسواق.

تلك مجرد قصة من قصص كثيرة لسلسلة من الإصدارات المتعلقة بأرامكو السعودية، التي تُجمع على كونها ثورة لم تكن محسوبة على كل المستويات. حيث تكتظ المكتبات العالمية بكُتب صادرة من قبل مؤسسات ومراكز أبحاث، أو مكتوبة بأقلام بعض الموظفين المتقاعدين الذين سردوا جانباً هاماً من تجربتهم المهنية والحياتية من خلال عملهم في الشركة.

إلا أن الصادم والمحير هو عدم وجود أي كتاب عربي، يحكي قصة هذه الشركة العملاقة ودورها التاريخي في مجمل التحولات، لولا بعض الكتب ذات الطابع المدرسي التي لا تعكس حقيقتها وأثرها وواقعها.

وهنا ينبثق السؤال عن سبب امتناع بعض من تولّوا مراكز قيادية في الشركة من أبناء الشركة عن تقديم خبراتهم من خلال مرويات أو دراسات أو مذكرات. وعن عدم اقدام الشركة ذاتها حتى اليوم على التفكير في عرض تاريخ أرامكو من وجهة نظر عربية. وهكذا يتدحرج السؤال ليلامس أولئك الذين لم يفكروا بعد تقاعدهم في سرد حكاياتهم مع أرامكو، كما فعل الغربيون. خصوصاً أن أغلب أولئك، كما تُفصح سيرهم على درجة من الكفاءة المهنية والكتابية.

يبدو هذا الأمر ملحاً لأن الشركة تشكل معياراً تنموياً وإسهاماً ثقافياً باذخاً في مختلف المناشط. فهي تحتفظ بسجل هائل من المعلومات والوثائق والصور التي تحكي سيرة جغرافيا وتاريخ المنطقة، وترسم بمنتهى الدقة والشمول معنى بروز الشخصية «الأرامكوية» بما تستحوذ عليه من نظرات الإعجاب. وهو ما يعني أن الجميع يتوقع من «الأرامكويين» أن يسردوا قصة النجاح والمعاناة والتحولات الصعبة. ولكن يبدو أن الشركة تجيد تنمية كل شيء، والتحدُّث عن كل شيء، إلا أن تروي نفسها.

ناقد وكاتب