آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

المجتمع المدني.. واقع وتطلعات «2»

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

المعاينة التاريخية لمجتمع الجزيرة العربية، تبين اتسامه بوجه عام بالركود الاجتماعي/ الاقتصادي، والتراجع الثقافي، والتشتت والتمزق والاحتراب الذي دام لقرون عديدة، غير أنه في الوقت نفسه ظل محتفظا بوجود جنيني لتشكيلات وتنظيمات مستقلة أو شبه مستقلة، واستمرت في الوجود إلى ما بعد نشوء الدولة السعودية المركزية، وهو ما يوازي دلاليا «مفهوم المجتمع المدني» ويمكن تسميته اصطلاحا «المجتمع الأهلي»، الذي يشمل التنظيمات الإرثية «القبلية، العشائرية، الطائفية» التقليدية، حيث الانتساب إليها يكون في الغالب انتسابا جبريا وطبيعيا منذ الولادة، والنشأة الأولى، وذلك كمظلة للحماية، الاستقواء، الدعم المادي والرمزي إزاء الآخر، وفي مواجهة الظروف والأوضاع الحياتية الاقتصادية والاجتماعية القاسية.

وإلى جانب تلك التنظيمات الإرثية، تواجدت الطوائف المرتبطة بالحرف مثل الصيادين، الغواصين، الحدادين، أو بمهن مثل التجار، الصاغة، المطوفين، السقاة، ناقلي البضائع، ومرافقي وحماة قوافل الحجيج «مقابل خوة أو بدل نقدي أو عيني»، كما تواجدت الفرق والطرق وأهل الحسبة، ولا نغفل أيضا الدور الهام للمسجد والوقف على صعيد المجتمع الأهلي..

إذن من هذه الزاوية، نستطيع القول إن جذور المجتمع المدني المأمول، بما يمثل من استقلال وتوازن، سواء قبل قيام الدولة، وحتى بعد قيامها، موجودة وحاضرة في تراثنا وواقعنا الاجتماعي، ويمكن الاتكاء والبناء عليها، ليس من خلال إعادة استحضارها وتكريسها، بل من خلال دلالاتها التاريخية، وتطويرها وترهينها عبر عملية القطع والتجاوز التي تفرضها التبدلات التاريخية الموضوعية في المكان والزمان.

وفي كل الحالات نستطيع القول بأن المجتمع الأهلي، هو خاصية الاقتصاديات الطبيعية «الإقطاعية وشبه الإقطاعية والرعوية» والمجتمعات التقليدية الراكدة، وذات الامتدادات الرأسية التراتبية التي تشمل التعاضديات الإرثية «القبيلة والعشيرة والطائفة» التقليدية، حيث نلحظ وجود المكانة الاجتماعية المميزة للشيوخ والوجهاء والأعيان وعلماء الدين وزعماء الطرق «أهل الحل والعقد» من جهة، وأتباع القبيلة والطائفة والطريقة والأفراد العادين «العامة» من جهة أخرى، والأمر ذاته، ينسحب وإن بمستوى أقل، على أصحاب المهن من الصنائع والحرف، حيث نجد المريد «المبتدئ» والصانع والمعلم وشيخ الحرفة أو المهنة، وغالبا ما تكون تلك التراتبية مكرسة ومتوارثة، عبر عدة أجيال، إذ من النادر أن يصبح فرد عادي في القبيلة أو المهنة، شيخا لها.

هذا المنحى التقليدي للمجتمع الأهلي، بخلاف خصائص المجتمع المدني في الدولة الغربية الحديثة، الذي يستند إلى العلاقات الأفقية، وتنعدم فيه التراتبية العامودية، كما هو مرتبط بالدولة الحديثة، والمجتمع المتجانس قوميا أو وطنيا، والمتمايز والمنقسم إلى طبقات حديثة، البرجوازية، عمال الصناعة «البروليتاريا»، الفئات الوسطى، رغم التبدلات الحاصلة في قوامها والوزن النسبي لكل منها في العقود الأخيرة.

تلك التشكيلات الطبقية، استمدت مقومات وجودها، من خلال الاقتصاد الحديث، والعلاقات السلعية/ النقدية، والبناء السياسي والقانوني السائد، وبالتالي كان هناك تفارق بين البناء التحتي «قوى وعلاقات الإنتاج» المتغير والبناء الفوقي «السياسي والحقوقي» والايديولوجية السائدة.

ضمن هذا الواقع الموضوعي تشكل الفضاء الجديد القائم ما بين علاقات السوق والأسرة والتعاضديات الإرثية «إن وجدت» من جهة، وما بين الدولة من جهة أخرى، وهو ما تمثل في ظهور بواكير مؤسسات المجتمع المدني، التي ترسخت وتجذرت مع الوقت لتصبح قوة موازية أو موازنة للمجتمع السياسي «الدولة».. وللحديث صلة.