آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

لا.. ليس صحيحا

محمد العلي * صحيفة اليوم

«التفكير والاعتقاد حقيقتان متعارضتان، فالذين يأخذون الأمور بالاعتقاد لا يفكرون، والذين يأخذونها بالتفكير لا يعتقدون، والتفكير صورة من صور الإبداع والعطاء، أما الاعتقاد فأسلوب من أساليب الاستسلام، فالمبدع منتج، أما المعتقد فحكيم».

قرأت هذا النص عام «1955» فصرخت صرخة المطعون: «لا.. لا.. ليس صحيحا» صرختها ثلاثا، لأنها صدمت كل قناعاتي السمعية وتلك المتوارثة «التي وجدنا عليها آباءنا»، ومرت الأيام وأتي النسيان عليها رداءه وفجأة بالأمس، إذا بي أرى النص نفسه شاخصا أمامي، وقد انحسر عنه غبار الزمن وصدأ الذاكرة، وإذا بقراءتي تختلف أو تكاد عن القراءة الأولى، وتستنير بقول الغزالي: «من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمي والضلال».

وهنا هجمت علي الطبيعة الجاهلية ورحت أردد:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم

ومن لا يظلم الناس يظلم

ويحك من هو هذا الغزالي الذي يضع على فكرك لجاما ويمنعك من الذود عن آراء آبائك التي تعمر قلبك؟ أليس هو من يعتقد بأنه «يسير تحت ضوء لا يراه» أليس من كتب في الخليفة العباسي المستظهر ما تستحي منه لغة الخضوع والذلة؟

والمستظهر نفسه لا تنسى أنه من أواخر الخلفاء العباسيين الذين حباهم المتنبي بقوله:

إذا كان بعض الناس سيفا لدولة

ففي الناس بوقات لها وطبول

ولا تحسبن أن من نسميهم الفلاسفة والذين أوتوا بسطة في العلم والجسم والمضيئين روحيا والرافلين ماديا.. لا يقلدون، بل هناك منهم من تذهب قلوبهم طوعا إلى غيرهم وهم يرددون فرحا:

ويظهر قلبي عذرها ويعينها ** علي فمالي في الفؤاد نصيب

يا «زلمة» تشبث بقناعاتك، واجعل بين سمعك وأصوات الآخرين الذين يسمونهم الحداثيين واخوانهم من الرضاعة اللبراليين سدا منيعا، وأوصيك بألا تقرأ ابن المقفع، لأنه أول من فتح الباب أمام ثنائية الظاهر والباطن في اللغة العربية، ولا تقرأ الجاحظ، فهو ساوى من المتناقضات ومحا الفروق بينها أو كاد، ولا تقرأ الفلاسفة جميعا، وإذا مررت بمكتبة فيها كتب الكواكبي أو أدونيس أو الجابري أو نصر حامد ابوزيد «أو.. أو..» فسرع خطوتك حتى لا تتلوث بروائحها.

لا أريد ولا استطيع أن أعدد لك ما تقرأ وما لا تقرأ، ولكن أدعوك إلى إراحة فكرك من عناء التفكير، فهو متعب وليس له نهاية، فالعلم لا نهاية له، وكذلك الوعي.. فإلى الراحة والسبات الرغيد.

كاتب وأديب