آخر تحديث: 17 / 12 / 2017م - 9:14 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاستعمار والسياسة والعنف

محمد الحرز صحيفة اليوم

تاريخ القرن العشرين كما هو معلوم لدى الجميع تاريخ حروب ونزاعات وانتفاضات وتحرر وسيطرة، كانت القوى الكبرى تفرض إرادتها وهيمنتها وسلطتها ومصالحها بالقوة على من يمثلون الحلقة الأضعف في الساحة الدولية من شعوب ودول وأقوام مختلفة. هذه الحقيقة لا أود الوقوف عندها كثيرا. لكني بالمقابل أود إثارة مسألة تتعلق بالجانب الثقافي أو المعرفي الذي أثره صاحب تلك الهيمنة أو دعمها من العمق بهدف أن تكتمل العناصر في حلقة الهيمنة: من السيطرة على الأجساد إلى السيطرة على العقول. يمكن أن يبادر أحدهم ويقول: انك تلمح بشكل أساسي للمسألة الاستشراقية حيث تلك الدراسات التي تأسست على فكرة الكشف عن تاريخ الاستعمار ومحاولته الدؤوبة من خلال المعرفة وأدواتها وكان رائد مثل هذا الكشف المفكر إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» الذي صدر أواخر السبعينيات من القرن المنصرم. ربما يكون هذا الملمح أحد وجوه المسألة التي أريد إثارتها.

لكنها لا تأتي في المقام الأول؛ لأن تلك الدراسات موضوعها الأساس يتعلق بالاستعمار الغربي وعلاقته إزاء الشرق وشعوبه، وقد قطعت هذه الدراسات شوطا كبيرا وتطورت نظرياتها وأدواتها المعرفية أيضا مع جيل من الباحثين جاء مكملا لاشتغالات الجيل الأول. المقام الأول عندي هو طبيعة الأثر الذي صاحب تلك الهيمنة بعد أن انحسر الاستعمار وتقلصت هيمنته المادية المباشرة، واختفت مرحلة الوصاية على الشعوب، بعد ما بقي منها العلاقات القائمة على المصالح، الحريصة على ضمان استمرارها بشتى الطرق والوسائل. 

لا شك أن زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية من أهم الآثار التي خلفها الاستعمار والتداعيات التي خلفها على ذاكرة شعوب المنطقة جعل الممارسة السياسية تتسم تارة بالثورية في حالة الانقلابات العسكرية كما حدث في فترة الخمسينيات والستينيات، وتارة أخرى تتسم بالجهادية الإسلامية في حالة الحركات السياسية الإسلامية كما حدث في مصر والجزائر في فترة التسعينيات. الأمر الذي أدى إلى نتيجة مهمة حيث كان العنف هو الرافعة التي ترسخت عليها القيمة الكبرى في الممارسة السياسية، وكان التبرير الجاهز في كل الأحوال هو مخلفات السياسة الغربية في المنطقة. هذا التبرير لا أحد ينكره. لكن ما ننكره هو أن يكون هذا التبرير هو السبب الوحيد في وجود واستمرار العنف. انطلاقا من هذا الانكار يمكن أن نفتح الباب على مصراعيه للعديد من التساؤلات من قبيل: هل ظاهرة العنف في المجتمعات العربية ظاهرة بنيوية في شخصيتها السلوكية والثقافية والتاريخية أم هي حالة استثنائية ارتبطت بآثار المستعمر «بكسر الميم» وما زالت سلبياته باقية إلى حد الآن؟! الجدل حول هذا السؤال يأخذنا إلى مناطق في الحديث عن أدق التفاصيل في حياتنا العربية ثقافيا وسياسيا واجتماعيا.