آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

إزاحة

محمد العلي * صحيفة اليوم

أماتَ أَبوك؟

ضَلال! أنا لا يموتُ أبي

ففي البيت منههُنَا رُكْنُهُ.. تلكَ أشياؤهُ

تَفَتَّقُ عن ألف غُصْنٍ صبي

جريدتُه. تَبْغُهُ. مُتَّكَاهُ

كأنَّ أبي - بَعْدُ - لم يّذْهَبِ

حين قرأت قصيدة نزار قباني في رثاء أبيه، ومنها هذا الجزء الصغير، قلت إنها ستخلق إزاحة لرؤية الحزن والفقد في الشعر العربي كله. وحين انتهت القراءة الثانية رأيت بشاعة الرؤية، رؤية الحزن والفقد المتمثلة في الاكتفاء بظلال الأشياء عن أعيانها وبأشباهها عن حقائقها، فالمرحوم أبوه تكفي عنه جريدته، تبغه، متكاه التي ما زالت تشع بوجوده.. وإذن فما الحاجة إليه؟ كأن أبي بعد لم يذهب.

الأب.. ما أرخص الأب الذي يكفي عن وجوده تبغه، جريدته، متكاه.. ترى لو سمعت أم كلثوم هذا الكلام من نزار ألا تقيم مأتما واسعا سعة الشعر العربي، وبخاصة الشعر الحديث لأنه مليء بالدمع والفقد. من فقد من يحب وما يحب من حرية وسائر حقوق الانسان، وما يصبو إليه ويتمنى تحقيقه.

الأعجب، أن هذه السطحية العاطفية تجاه أبيه نراها تجاه الأم، التي هي عند معظم الناس مفضلة على الأب. فها هو يقول في رسالة إلى أمه بعد غياب طويل: «صباح الخير يا حلوة/‏‏ صباح الخير يا قديستي الحلوة/‏‏ مضى عامان يا أمي/‏‏ على الولد الذي أبحر/‏‏ برحلته الخرافية/‏‏ وخبأ في حقائبه/‏‏ صباح بلاده الأخضر/‏‏ عرفت نساء أوروبا/‏‏ عرفت مواطن الاسمنت والخشب/‏‏ عرفت حضارة التعب/‏‏ وطفت الهند طفت السند طفت العالم الأصفر/‏‏ ولم أعثر على امرأة تمشط شعري الأشقر/‏‏ وتحمل في حقيبتها إلي عرائس السكر/‏‏ وتكسوني إذا أعرى/‏‏ وتنشلني إذا أعثر/‏‏ أيا أمي».

أرأيت هذه العاطفة التي لا تربطه بأمه إلا المنفعة المادية وكأنها أي امرأة عابرة في الطريق تعطيه قطعة حلوى.. لا شك أن نزار شاعر ضخم ولكنه عثر هذه المرة مرتين بدلا من عثرة واحدة يوصف بها الجواد.

الغرض الأساسي لهذا المقال هو مقارنة هذا الشعر بمقطوعة للشاعرة اللبنانية مريم خريباني ولكن المساحة ضيقة. وهذه هي القصيدة فقم أنت بالمقارنة.

«ت م توجع حدا/‏‏ بس تروح كلك روح/‏‏ خوذ معك حتى الهوا/‏‏ كل شي علق عالحيطان/‏‏ صوتك والصدى/‏‏ ت م توجع حدا/‏‏ خوذ دعاءك معك/‏‏ خوذ الوقت/‏‏ خوذ اشتقت/‏‏ وبس يثقل بعينيك الدمع/‏‏ جيبو وتعا».

أرأيت مقطوعة شعبية فاقت كل الشعر في هذا الموضوع؟ إنها هذه.

كاتب وأديب