آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

تغير المرآة

محمد العلي * صحيفة اليوم

كنت مولعا بالمرآة. كل صباح أستهله برؤية وجهي فيها. وأرى ما يطفو عليه من آمال مترامية الأطراف. واستمرت الأيام خضراء رغم الخريف المحيط بها. حيث الخيال ليس له ضفاف والشباب المارد والزمن الضاحك.

وها هو الزمن يغير رياحه، وإذا بالمرآة تلك التي رافقتني إلى واحة التفاؤل وعلمتني التحديق في الربيع.. تصبح مرآة أخرى، تحدق في باستغراب وبلاهة. مرآة لا أرى فيها وجهي، بل وجوها أخرى، بما فيها وجهي الذي لم أعد أعرفه.

هل أنا وحدي الذي تمر به هذه الرياح اللواقح؟ هل أنا وحدي الذي تمردت مرآته عليه أم أن سنة التطور هي هكذا عند جميع البشر.. أما الرياح فتشتد وتضعف لأسبابها؟ كن مطمئنا أيها المتعجل بأن الحياة هي هكذا.

أحيانا يسرح بي الخيال ويضرب بمناحيه في جميع الجهات، وأحيانا يتصور أكثر من مرآة واحدة للفرد البشري: فهنا المرآة المادية العاكسية والتي تفرح بعضهم وتحزن الآخر مثل ذلك البدوي الذي لعن المرآة وقال غاضبا:

إذا لم تك المرآة أبدت وسامة

فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

غضبة البدوي هذا تكشف عن أنواع كثيرة من المرايا لا نلتفت إليها.

إذا كنت لا ترى وجهك إلا في مرآة واحدة فهناك من يراه في مرايا أخرى مادية ومعنوية: هناك من يراه في أسلوبك أو جلستك أو طريقة نطقك.. فهذه وأمثالها تزيح الأقنعة عن وجهك، بل وداخلك، وتتكشف لغيرك وإذا بك شجرة مثمرة أو شجرة جرداء، كما أنك تحمل مرآة توضح لك الوجه والضمير والأقنعة عند الآخرين.

البيت الشعري السابق لذلك البدوي الغاضب من المرآة، لأنها كانت صادقة معه، كشف عن عالم لا نعرفهم من الصبايا والشباب والرجال والنساء والشيوخ و«الشيخات» وأتمنى شخصيا أن يكشف عني الغطاء لأنظرهم جميعا وكل منهن ومنهم جالس أمام مرآته.. إني أكاد اسمع ضحكهن وبكاءهن وضحكهم وبكاءهم ثم اختار شاعرا وروائيا بالأحرى يكتب رواية عن هذا المشهد.

القرين أو القناع كانت قمة التعبير عن الغيلان الروحي لبعض المبدعين من دوستوفسكي في رواية القرين مرورا بالشاعرين المبدعين سعدي يوسف ومحمد الثبيتي:

يقيم على شغف الروبعه/ له جناحان ولي أربعة/ يخامرني وجهه كل يوم/ فألغي مكاني وأمضي معه/ الخ

ما أبدعه الثبيتي في هذه القصيدة وبعض قصائده الأخرى.

كاتب وأديب