آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

تعذيب الكلمات

محمد العلي * صحيفة اليوم

أحيانا أقرأ مقالا فأسمع أنينا يرفل بالدمع يأتي من الكلمات، وأحس بأنها لم تستجب للدخول في سياق المقال إلا بعد الضرب بالسياط والتهديد باستخدام الخناجر في الظهر والخاصرة.. ولأني لا أعرف لغة العذاب أبقى على جمر؛ لأن الرسالة التي تبعثها الكلمات ليست مفهومة بالنسبة لي، فلا استطيع تلبية استغاثتها. يقولون: إن اللغة والفكر متلازمان، بل متداخلان، لا يفهم أحدهما دون الآخر، فهل فكر كاتب الأنين يعاني من التعذيب مثل الكلمات؟ يقول أحدهم: معاناة التعذيب وقعت على اللغة؛ لأنها انفصلت عن الفكر فأصبحت جوفاء تصفر فيها الرياح وتصرخ: أين المعنى؟ فصراخها إذن لانفصالها عن الفكر.

الغريب أن نحيب الكلمات لا يشبه بعضه بعضا، فبعضه يشق عنان السماء، وبعضه يكاد يخرق الأرض، بعضه تصاحبه الدموع صحبة القرين، وبعضه لا يقدر حتى على إخراجها، أما الأنين فهو نوع واحد، وهنا تتقافز الاحتمالات كالأرانب عند القارئ ويتمثل بقول المتنبي:

أحاد أم سداس في أحاد 000 لييلتنا المنوطة بالتنادي

الاحتمال الأول: أنها هربت من كثرة الاستخدام وأن الأوراق التي تسقط منها لا تعوض، فراحت تصرخ دون أن يسمع الكاتب صراخها.

الاحتمال الثاني: أن الكاتب أقل منها بحيث لا يعرف أعماقها ولا يعرف أهمية وضع لفظ مكان آخر، وهو بالتأكيد لم يسمع بعبدالقادر الجرجاني، ولذا فهي تستغيث بمن يفهمها بأن يخلصها من عبث هذا الجاهل الحاطب بليل.

الاحتمال الثالث: أن الكاتب جاءها وهي في لحظة غاضبة لحظة تمزق نفسي ووجداني ودلالي من عبث حشر من الناس يعيشون عيش القطيع ويستخدمونها استخدام مقلدين، فإذا كسر أحدهم ضلعا من أضلاعها كسر الآخر نفس ما تبقى من الضلع أو إذا ارتقى وعيه قليلا كسر ضلعا آخر. الاحتمال الرابع: أنها تريد معاندة المتنبي وتقول عكس ما قال، إنه قال: «ولكنه ضحك كالبكا» وهي تنتحب ضحكا على جيل يستخدمها دون أن يعرف أن هناك فرقا بين اللؤلؤ والمحار، فصراخها ودموعها من الضحك حتى أن كبدها كادت تذوب من شدته.

الاحتمال الخامس: هذا سأحتفظ به لنفسي، أما أنت فلك كامل الحرية في أن تضع الاحتمال الذي تريد.

كاتب وأديب