آخر تحديث: 23 / 11 / 2017م - 4:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشاعر رسول: ليس على الشاعر أن يفكر في شكل القصيدة

جهينة الإخبارية زكي الصدير - صحيفة العرب

عن فئة الشعر الحديث حصد مؤخرا الشاعر السعودي هادي رسول المركز الأول في جائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم في إمارة عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة عن قصيدته «النهر.. ساعي بريد العراق». ويعدّ رسول واحدا من الشعراء السعوديين الذين يمتلكون صوتهم الخاص والمتفرّد، حيث يختار بعناية شديدة العمل على تجاربه الشعرية بين الورقي والمنبري والصوتي. «العرب» توقفت معه في حوار حول تجربته الشعرية وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.

في عام 2013 صدرت لهادي رسول مجموعته الشعرية الأولى حاملة عنوان «نبوءة الطين»، وفي العام الماضي أصدر مجموعة شعرية صوتية تحت عنوان «مخط القلادة». ويعمل حاليا بشكل هادئ ومتريث على تجربة أدبية تشكل مغامرة له على صعيد تجربته الأدبية الخاصة، حيث تبدو ملامحها نثرية خالصة، ولكنها لا تزال في الفرن ريثما تنضج بشكل كامل.

مغامرة الكتابة

تجنح تجربة هادي رسول في مجموعته الصوتية الثانية «مخط القلادة» إلى سرد الحالة الشعرية باعتبارها ملحمة تاريخية، يستنطق من خلالها الواقع، ويذهب بقراءاتها ناحية وعيه الخاص بالتجربة. إننا أمام اشتغال ملحمي مجازي شعري متكئ على الإرث التاريخي الكبير المتوافر بين أيدينا اليوم، خصوصا ذلك التاريخ ذا الصلة بتشكّلات الواقع اليومي الحديث. وكأن شاعرنا لا يزال يرى في الشعر القدرة على أن يكون ملحمياً يخلّق في تفاصيله الأبطال والحكايات.

وعن ذلك يعلّق ضيفنا بالقول «انطلاقاً من قول غاستون باشلار ‘الحلم هو السؤال المنفلت‘ نذهب إلى اعتبار الحالة الشعرية على أنها حالة حالمة ومتمردة في آن. التمرد يحضر في تعبير باشلار في مفردة ‘السؤال المنفلت‘. وبما أن الشعر متمرد بطبعه فإنه قادر على أن يكون ملحميًّا يعيد إنتاج الحكايات لا بصفتها حكايات أو مرويات محضة، وإنما رؤية شعرية متدفقة يهبها الشاعر مخيلته الخاصة، ويدفع فيها طاقته الشاعرية التي تعيد صياغة الحكاية كما يشتهيها الشعر لا النص التاريخي. وكذلك فإن الشعر قادر على استحضار الأبطال ليس كأشخاص يستجدون الثناء والمديح كما هو في الموروث الشعري العربي، وإنما كحالة إنسانية تُكثِّف من ترميز النص، وتمنحه طاقته الإيحائية المتجددة. باختصار: الشعر لا يكون شعرًا إلا حين يكون متمرّدًا، وحين يتمرّد فإنه قادر على كلّ شيء».

ربما هذا الوعي الذي يمتلكه ضيفنا حيال نصه جعل من ديوان «مخط القلادة» استحضاراً مسرحياً للتاريخ بوصفه حالة من حالات تمثلات الواقع القادر على سرد التفاصيل على لسان الراوي «الشاعر» العليم الذي يبصر ما كان. هذا الصوت المونودرامي الواعي كان أقرب للمسرح «بعوالمه الفردانية» منه للشعر. وكأن النص كتب ليمثّل على خشبة المسرح. فحين شرع هادي رسول في كتابة“مخط القلادة”كمشروع وكتجربة خاصة كان لا شعوريًا يستحضر المشهد التاريخي، ويعيد هندسته شعريًا.

يقول الشاعر «كنت لا واعيًا في دور يشبه دور كاتب السيناريو، ولم ألتفت إلى هذا الدور إلا بعد أن أنهيت المشروع. لذا حين كنت أكتب ‘مخط القلادة‘ كنت أعده لكي يكون كتاباً ورقيًّا، ولم يكن في تخطيطي أن أصدره صوتيًا. ولكن بعد أن أنهيت كتابته وجدته مشاهد تصويرية شعرية، فألحّت عليَّ فكرة التسجيل الصوتي. ولأن التأثير الدرامي للنص كان عاليًا لجأت إلى الموسيقى التصويرية. نعم، كان أدائي الصوتي ممسرحًا بتأثير النص الدرامي، وبتشكلات الموسيقى. وحين أتممت التسجيل اكتشفت أن العمل مسرحي بامتياز مما دفعني إلى التواصل مع المخرج المسرحي السعودي الفنان الرائع ماهر الغانم الذي أعاد إنتاج النص في لوحات مسرحية باهرة مستعينًا بالسينوغرافيا، ومستعيرًا أدوات الفن المفاهيمي. كان هناك تنسيق لإعادة العرض برؤية أكثر اتساعًا ونضجًا في دول خليجية، ولكن التنسيق لم يكتمل لظروف متعددة».

أسئلة وهموم

جرّب ضيفنا في تجربته الشعرية أنماطاً كتابية مختبراً شاعره في قصيدة العمود والتفعيلة والنثر، ولا يعنيه حالياً نمط الكتابة إلا في حال الذهاب إليها كمشروع له رؤيته الخاصة، حيث يرى ساعتها أن الشكل سيفرض نفسه. وعن هذه البدايات القريبة يحدثنا «بدايتي كانت تقليدية، حيث كنت أجرب نفسي في العمود، وسرعان ما كانت قفزتي للتفعيلة التي انصهرت معها إلى الدرجة التي كان يراني فيها بعض الأصدقاء أني شاعر تفعيلة، وأنها فرسي الجموح. لكن الفارس أيضًا يجب عليه أن يكون جموحًا، ويذهب إلى مغامرات مختلفة. وعليه أن يروّض فرسه كما يريد هو لا كما يشاء الفرس. منذ تجربتي الأولى ‘نبوءة الطين‘ بدأت أجرب نفسي في النثر، وهذه التجربة آخذة في النضج والتطور. ولكني أحب أن أذهب إلى الكتابة كمغامرة، وأجدني مؤمنا بحكمة قاسم حداد وهو يقول: اذهب إلى المغامرات الإبداعية بجرأة ودون خوف، من دون السعي إلى افتعالها».

يرى شاعرنا أن «المشهد الشعري الشبابي السعودي كمهارة كتابية مشهد آخذ في السطوع، وخطاه في عتبات الصعود حثيثة وملفتة. لكنه ثمة انجراف ناحية الضوء أكثر مما ينبغي. الوقوف تحت الظلال حاجة إبداعية أيضًا لتهيئة الوثبة ودعم الخطى الصاعدة بالعودة إلى الذات والوقوف على منجزها ومراجعة طريقة أدائها».

لا يعتقد ضيفنا أن ثمة اختلافاً أو تبايناً على مستوى الأسئلة والهموم بين جيله «مواليد 1983» والجيل الشعري العربي السابق عليه إلا على مستوى التعبير عنها، حيث يقول «هناك من يبرز في منجزه الهم الإنساني وسؤال الهوية وربما يتجاوزها بأسئلة الوجود. وهناك من يكاد يغيب عنه هذا الحس في منجزه الأدبي إلى الدرجة التي تبدو فيها نصوصه لهوا مع اللغة، لا إنجازا أو ثراء في اللغة».

هذا الهم الشعري الإبداعي المشترك دفعني إلى سؤال هادي عن القضايا المصيرية الملحة التي توحد المثقفين السعوديين، بحيث تشغلهم جميعاً في اشتغالاتهم الإبداعية، ولا سيما بعد الربيع العربي.

يجيب «الربيع العربي هشّم صورة المثقف العربي بشكل عام فضلاً عن المثقف السعودي. ما كنا نظنه هوية جامعة تشظّت إلى هويات متصارعة، والمثقف الذي كان يوجه بوصلة نقده إلى النسق الثقافي أصبح أسيرًا له منقادًا إليه، يؤدلجه تويتر، وتبرمج سلوكه الثقافي مواقع التواصل، وتؤثر في وعيه وسائل الإعلام. وعوضًا أن يقوم بدوره في صناعة الوعي أصبح منساقاً بلا وعي إلى تأثيرات الشارع. وفي حين كان يجب أن يؤثر في الرأي العام أصبح متأثرًا به تقوده العواطف والشعارات».

ويرى رسول أن المثقف العربي أصبح أداة استخدام إعلامية. ففي رأيه «من يسهل استخدامه، يسهل تحويله عن هدفه ونقله من موقع إلى موقع آخر»، و«المثقف بات أعجز من أن يقوم بتنوير الناس، إذ هو الذي أصبح يحتاج إلى تنوير» كما يعبّر المفكر علي حرب. بعد كل هذا فإن المثقف السعودي بشكل عام مشغول بالسراب، ويتشاغل به عن أي قضية ممكن أن تكون مصيرية أو ملحّة، أو ربما عن أي قضية يشترك مع غيره فيها كهوية جامعة، باستثناء حالات نادرة من المثقفين الذين حافظوا على صورة المثقف الحقيقية.