آخر تحديث: 23 / 11 / 2017م - 4:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

الدولة الحسينية

حسين نوح المشامع

قال الله تعالى في الآية الخامسة من سورة القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.

سأل احدهم الإمام علي بن الحسين السجاد : من المنتصر؟! فقال : إذا دخل وقت الصلاة وسمعت الأذان، ستعرف من المنتصر!! «عشاق الحسين»

قال ارنولد توينبي: «ستبقى الحضارة الإسلاميّة حضارة حيّة»

اتصلنا بأخي - عم الأولاد - لأخذ الأذن في تسجيل مجريات هذه الحلقة في بيته حسب خطتنا السابقة، وذلك تغييرا لمكان النقاش، وإثراء للبحث، واستقبالا للأفكار الجديدة المختلفة، وكسرا للروتين، وتحقيقا لصلة القربى الذي ننشدها.

وافق أخي ممتنا ورحب بنا فرحا، وعين لنا وقتا لإجراء الحوار.

بعد أيام عيد الأضحى المبارك وقبل عشرة عاشوراء الأليمة، كنا على بابه واقفين، ولجرسه طارقين، وبالسلام والتحية بادئين.

جلسنا إلى جوار الأحبة، فقدمت لنا أصول الضيافة بكل أكبارا وإجلال.

تركتنا النساء ذاهبات إلى غرفة مجاورة يستطعن منها سماع ما يدور بيننا من نقاش.

وبما أن العرف يحكم أن «الضيف في حكم المضيف»، تركت لأخي فتح باب النقاش.

فبدأ قائلا: اعتقد يا أخي الحبيب أن هذه هي الحلقة التاسعة والعشرين من حلقات «ثورة اجتماعية» الأربعون التي وعدت الشيخ محمد بكتابتها، فما هو محور هذه الحلقة؟!

محور هذه الحلقة قد يكون غريبا على البعض، ومستهجننا للبعض الآخر!!

شوقتني يا عزيزي، فما هو هذا المحور؟!

مع يقيننا أن الإمام الحسين قد انتصر في معركة كربلاء، وقام بقيادة الأمة إمامة أو خلافة، فأعاد فيها روحها الإسلامية التي فقدتها خلال الفترة السابقة، وهو ما يؤكد عليه التاريخ والواقع المعاش، فما هي قواعد مشروعه هذا؟؟!!

يا أخي العزيز، لا يستطيع احد إنكار انتصار الإمام الحسين في معركته تلك، ولو لا انتصاره لما بقي للإسلام حتى يومنا هذا أثر يذكر!

نحن لا ننفي انه انتصر في معركته تلك، والواقع المادي المعاش يؤيد ذلك، ولكن نحن لا زلنا نتكلم من منطلق عاطفي بحت، وهذا ما لا تقبله الأطراف الأخرى المناوئة، وعندها أسئلة كثيرة يجب الإجابة عليها بطرح علمي موثق، لا بطرح عاطفي نفسي!!

فماذا استنتجت من مطالعاتك وماذا توصلت إليه من قراءاتك يساعد في رصد الأهداف التي قام من اجلها الإمام الحسين ؟!

يعتقد المحققون والباحثون أن الإمام الحسين لم يقم بثورته تلك، إذا اصطلحنا على تسميتها ثورة أو انقلاب، من اجل تعرية أهداف بني أمية الرامية إلى الإجهاز على الإسلام المحمدي، أمام الرأي العام فقط، لان بسقوط دولة بني أمية لن تكون نهاية الدنيا، بل سيأتي آخرون يقومون بمثل ما قاموا به.

إذا اخبرنا ماذا كان هدف الإمام الحسين من حركته المباركة تلك؟

كان الهدف الأساس من حركته هو التأسيس لفكر يبقى مدى الدهر، فكر يبقى وينمو مع نمو الحياة وتجددها، فكر لا يفنى حتى ولو قتل الإمام وقتل جميع من معه. فكر يبقى ويطاع دون قسر أو إكراه.

وهل حقق الإمام هذا الهدف؟!

بل لقد أجاد الإمام في تحقيق هدفه هذا، وما نرى من زحف مليوني إلى ضريحه الشريف إلا نتاج تلك الدماء الطاهرة التي سالت على ارض كربلاء.

وهل هناك أثر آخر لتلك الدماء الطاهرة؟!

ما سماعنا لمبكرات الصوت وهي تصدح بالأذان خمس مرات يوميا إلا نتاج تلك التضحية التي ذهبت في سبيلها فلذات المصطفى محمد ﷺ.

لدي سؤال محرج بعض الشيء، يتلجلج في صدري أريد إجابة شافية له!!

تفضل قل ما عندك أخي العزيز!!

لماذا لم تقم لأولاد لإمام الحسين ، بعد أن أتضح انتصاره الذي بقي أثره إلى يومنا هذا، دولة كما قامت لجده وأبيه وأخيه من قبله؟!

يعتقد بعض المحققون أن في مقدمة الأسباب التي أدت لعدم قيام دولة لأبناء الإمام الحسين من بعده، هي التجربة المرة التي عاشها أبيه أمير المؤمنين ومر فيها أخيه المجتبى عليهما السلام، حتى أودت بحياتهما. حيث ابتليا بأمة جاهلة منقسمة على بعضها، البعض منها لم يستوعب فكرهما كما ينبغي، فوقف ضدهما وحاربهما مع أعدائهما، والبعض الآخر كان هدفه الوصول إلى سدة الحكم، مهما كانت التضحيات البشرية كبيرة، بالإضافة إلى إن من التف حولهما بصدق نية واعتقد بفكرهما عن يقين لم يكن يعتد بهم يعبأ بهم لقلتهم.

إذا كان الجهل بالفكر الإسلامي الأصيل هو ما منع الحسين من جعل الحكم هدفه الأساس لحركته وخروجه، فما هو السبب الآخر؟!

الكثير من المسلمين سمعوا واعية الإمام الحسين وطلبه للنصرة في المدينة المنورة وفي مكة المكرمة وفي طريقه إلى العراق، لكن لم يستجب له ولم يبقى معه إلا عشرون من أهل بيته وخمسون هم أنصاره. وكل هؤلاء قد قتلوا على ارض كربلاء، ما عدا المرضى والنساء والأطفال. وهذا يعني أن من يحمل فكر الإمام الحسين ويكون عونا له في بناء دولته تلك قد قضي عليه. لذا لم يبقى من يمكنه الوفاء بالتزامات تلك الدولة، ولم يوجد من يعتمد عليه في بقاءها واستمرارها.

إذا كانت هذه هي أسباب عدم تمكن الإمام الحسين من إقامة دولة أو البحث عن الحكم، فما هي أساسات هذا الفكر الذي أراد الإمام تأسيسه، والذي دفع حياته وحياة أصحابه وسبيت نسائه من اجله؟

كما قلنا سابقا هو فكر يدوم بدوام التاريخ ودوام الحياة، فكر لا يفنى ولا يزول. فكر يتجدد ويتطور مع تطور الحياة، فكر لا يجمد ولا يتأكسد. فكر يتقبله الناس ويعيشوه دون إكراه ودون قوة تفرضه. فكر يأخذ في اعتباره مقدرة الناس على الاستيعاب والفهم، لذا هو يأخذ الوقت الكافي حتى تنضج أفكار الناس وتستوعب جميع مكوناته. [1] 

بقي لدي سؤال واحد أخير!

تفضل أيها الأخ الحبيب!

ما هو وجه الشبه بين الفكر الذي أسسه الإمام الحسين والإسلام الذي جاء به جده رسول الله ﷺ؟

ليس هناك فرق يذكر بينهما لذا قال رسول الله ﷺ: «حسين مني وأنا من حسين». فما قام به الحسين هو إعادة إحياء ما أندرس من الإسلام في الحقبة السابقة. وان ما قام به الحسين هو عين ما قام به جده ﷺ، فلقد أسس جده ﷺ لإسلام لا يموت ولا يندرس ويبقى ما بقية الحياة، رغم اندراس وانتهاء الحكومة التي أسسها. وهو عين ما قام بإتمامه الإمام الحسين وقدم كل ما يملك في سبيله.

أحسنت وأجدت يا أخي الحبيب، ونراك في حلقة قادمة.

[1]  «ديمو تاريخ الرسول محمد ﷺ وديمو تاريخ الحسين