آخر تحديث: 23 / 11 / 2017م - 4:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

«الحرّ يأكل من مخلابه»!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

يبدأ الفساد من الأعلى، عندما يتم استغلال السلطة لتحقيق مكاسب خاصة، ثم سريعاً يصبح وباءً عاماً في المجتمع، ويتمظهر الفساد في تفشي الرشوة، والابتزاز، وسرقة المال العام، والمحسوبية، والواسطة، والمحاباة وغيرها.

برأي لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة، فإن تنظيف الفساد يشابه تنظيف الدرج... يبدأ من الأعلى نزولاً للأسفل. ولذلك فهو يروي في كتابه «قصة سنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول»، أنه أصرّ في يونيو «حزيران» 1959 بعد أداء اليمين أن يرتدي هو وفريقه الحكومي قمصاناً خفيفة، وسراويل بيضاء «في إشارة رمزية إلى النقاء والطهارة والأمانة» في سلوكهم الشخصي وحياتهم العامة. ولذلك تمكن أن يبني دولة قوية من قوميات متعددة، عديمة الموارد، ولكنها تعتبر إحدى أغنى دول العالم على الإطلاق، يبلغ دخل الفرد فيها أعلى الدخول في العالم، وناتجها القومي يقارب 350 مليار دولار.

أخطر ما في الفساد أن ينتج «ثقافة» مجتمعية قائمة على ازدراء الكفاءة والجدارة والمساواة، والانحياز للوصولية والمحسوبية والانتهازية، ثقافة تسمي الاختلاس «شطارة»، والرشوة «فهلوة»، والإثراء غير المشروع «مهارة»، ثقافة تسّوغ لخيانة الأمانة، وتبرر السطو على المال العام. هي كارثة تدمر معايير النزاهة والأمانة والضمير. وهي تؤدي لتقويض ثقة الناس بالقانون، وعلاقتهم بالعدالة، وارتباطهم العضوي بمؤسسات الدولة.

خطورة الفساد ليست في تضييع حصيلة الإنتاج، بل في تدمير ثقافة الإنتاج نفسها، فضلاً عن كفاءته وقوته وديمومته. إذا نخر الفساد جسد بلدٍ ما انهدّت أركان الثقة، وضعفت قيم المواطنة والانتماء.

«النهّاب الوهّاب» هي شخصية أسطورية تناولها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كثير من كتبه بينها: «شخصية الفرد العراقي»، و«لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث»، و«دراسة في طبيعة المجتمع العراقي»؛ هي نموذج للتطبيع الثقافي للشخصية الفاسدة التي تستغل النفوذ والسلطة لتحصيل المغانم ونهب الأملاك العامة، ما دامت تنثر على فئات من المجتمع العطايا والهبات، ولا أحد يسأل في ظل هذه الثقافة من أين لك هذا...؟

برأي الوردي، فإن الثقافة العربية وخصوصاً في البادية والريف، تعظّم من شأن السطو والنهب وتسبغ عليه الرضا والإعجاب، ويشير الوردي إلى مثلٍ طالما كان تعبيراً عن الثقافة العامة: «الحرّ يأكل من مخلابه»، كعنوان للتساهل في الوعي الشعبي لتبرير السطو على المال العام والاعتداء على حقوق الآخرين.

لا يمكن تحصين المجتمع من الفساد، بمجرد ترويج ثقافي، هناك منافذ يلج منها الفساد، لكن من المهم أن يعالج بشكل صحيح، لا بد أن تغلق الحنفية التي يتسرب منها الفساد، ثم تتم محاصرته وتجفيفه، الأكثر أهمية هو الوعي بخطورة فساد الطبقة المتنفذة، لأن فسادها لا يدمر قيم التنافس أو معايير العمل أو شرف الانتماء للجماعة الوطنية فحسب، بل تسهم في إضعاف الدولة نفسها. حيث يرى مايكل جونستون في كتابه «متلازمات الفساد: الثروة والسلطة والديمقراطية» «منشورات العبيكان»، أن فساد النخبة التي تحتمي بالسلطة والقانون والنظام العام، يسهم في إضعاف الدولة وتدمير مؤسسات الرقابة فيها، بالإضافة للمساهمة في خلق بيئة ضعيفة ومهلهلة للمؤسسات يسهل اختراقها.

لمعالجة الفساد لا بد من القانون، القوي الأمين. ترجع منظمة الشفافية الدولية انحسار الفساد في أي بلد إلى وجود نظام فعال في الحوكمة، قائم على الشفافية وسيادة القانون والمساءلة والمشاركة.