آخر تحديث: 18 / 12 / 2017م - 3:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

السهر الممنوع!

كمال بن علي آل محسن

تعد الحرية الشخصية مطلبا ومبتغًى وضرورةً في حياة البشر، وحاجتهم إليها تفوق حاجتهم لمتطلباتهم الأساسية في الحياة، وقد خلقهم الله أحرارا وجعل لهم كامل الحرية في اختيار عقائدهم وتصرفاتهم وتعبيرهم عن آرائهم، فالحرية حق مكتسب لبني الإنسان ولا تستقيم حياتهم وترشد وتعتدل إلا بها.

وقد ورد في إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789م على أن الحرية هي: «حق الفرد في أن يفعل ما لا يضر الآخرين».

إننا لو أمعنا النظر، ودققنا وتأملنا في تعريف الحرية لوجدنا أن هنالك ضابطا ومنظما لها وهو عدم تعارضها مع حياة الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، والإيذاء لهم، وبمعنى أدق شمولية التعريف للقوانين والآداب والأنظمة العامة والخاصة، وذلك يتوافق مع المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

من هنا نقول لك أيها الإنسان: أنت حر ولَك كامل الحرية في اختيارك لطعامك وشرابك ولباسك ومشترياتك وغيرها طالما أن تأثيرها ونتائجها عليك وحدك دون الآخرين، ولكن ماذا لو اصطدمت حريتك بحياة الناس من حولك سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟!

كي نجيب على هذا السؤال نورد هذا المثال، والذي هو محور حديثنا وبسببه نثرنا هذا المقال:

يعتبر السهر بعمومه وإطلاقه حرية شخصية وتستطيع أن تمارسه كما تشاء، فأنت حر في ذلك التصرف، ولكن ممارسة هذه الحرية ربما تسبب ضررا للآخرين، فَلَو أنك سهرت ولم تأخذ كفايتك من النوم، ثم صحوت مبكرا لتستقل سيارتك وتقودها متوجها إلى مقر عملك أو كليتك أو مدرستك أو إلى أي جهة معلومة، فماذا سيحدث؟!

قيادة السيارة تحتاج إلى تركيز وانتباه كبيرين، والسهر والتركيز ضدان لا يلتقيان، وبذلك قد تكون سببا مباشرا أو غير مباشر في وقوع حادث وقد يكون هناك ضحايا، وقد تؤدي ممارستك لحرية السهر إزهاقا لأرواح الآخرين.

في هذه الحالة تحول السهر من حرية شخصية إلى أداة غير مباشرة للقتل والتخريب والخسائر الفادحة في الممتلكات العامة والخاصة، وهذه الأداة لا يمكننا بأي حال من الأحوال محاسبتها أو محاكمتها فهي أداة غير محسوسة.

إن ممارستك للسهر لك كامل الحرية فيه، لكن أن تؤدي إلى هذه النتائج وربما أكبر منها وأفضع وأشنع، فهو أمر غير مقبول ويفتقد إلى الاتزان والحكمة، وليس من حقك، وليس لك مطلق الحرية فيه بل أنت مقيد بشروط وضوابط، بحيث لا يتسبب سهرك في إيقاع الأذى بالناس.

نشاهد بصورة متكررة وشبه يومية إن لم تكن يومية وقوع حوادث كثيرة ويكون سببها نوم السائقين وقائدي المركبات، وَمِمَّا يؤسف له ويندى له الجبين وتشمئز منه النفوس أن نشاهد مَنْ تسبب في وقوع هذه الحوادث المؤلمة قد نجا بفعلته ولا يكون طرفا أصلا في الموضوع، فقد فعل فعلته الشنيعة وغادر المكان وخلّف وراءه الضحايا والخسائر المادية والبشرية، وهو يشكر الله عز وجل - وبكل برود أعصاب - على نجاته من ذلك الحادث الأليم.

أي استهتار بحياة الناس وأرواحهم جراء ذلك التصرف الذي قام به بحجة ممارسته لحريته الشخصية؟!

إن كنت ترى ألا عقوبات بشرية ستلحق بك، فإن هناك رب البشر وهو يعلم بفعلتك هذه وسيحاسبك عليها أيما حساب؟!

لا تظن أن ضميرك سيسكت عنك، بل سيظل يصرخ بداخلك ويذكرك في كل وقت وخصوصا وقت سهرك، ولا أظن أنك ستنعم بالراحة وستنام قرير العين، فهما بعيدا المنال وبمنأى عنك، وبينك وبينهما هوة عميقة مشتعلة، لا ترى فيها إلا ضحيتك البريئة...

هل عرفنا الآن ما هو السهر الممنوع؟!