آخر تحديث: 2 / 6 / 2020م - 11:39 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قيود المسلّمات الوهمية

كمال بن علي آل محسن

المسلمات هي الأمور البديهية الخالية من العيوب والتي لا تحتاج إلى إقناع، فنقول عند مناقشة قضية ما: هذه من البديهيات والأوليات والحقائق المقررة، فلا تحتاج إلى نقاش ولا إلى جدل ولا إلى برهان؛ لكونها واضحة ومفهومة، فقد اُتّفق عليها عالميا.

وللمسلمات قيمة كبيرة وأهمية عظيمة، فباستخدامها مع التعاريف والنظريات الأخرى التي سبق إثباتها نحن نثبت صحة نظرية جديدة.

تتنوع المسلمات وتتعدد فمنها: المسلمات الدينية كأركان الإسلام، والمسلمات العلمية كالدورة الدموية، والمسلمات في الرياضيات كالمستقيم في المستوى يمكن أن يمتد إلى اللانهاية، وغيرها من المسلّمات...

هذه المسلمات ومثيلاتها نجد أن العقل لا يخالفها، بل يتوافق معها ويتقبلها، مع انسجامه التام معها، ولا تشكل قيودا وهمية تحجر عليه، وتمنعه من التفكير والانطلاق، بل تكون باعثا على الارتقاء، ومعينا له على الإبداع.

إن مشكلتنا ليست مع هذه المسلّمات، وهي ليست محور حديثنا، ولكننا سنتناول نوعا آخر من المسلّمات ألا وهي «المسلّمات المجتمعية الوهمية» التي ورثنا بعضها، وصنعنا بعضها الآخر، فهي تشكل لنا قيودا وهمية، تمنعنا من مجرد التفكير في كسرها والتحرر من تبعاتها، بل وتبقى جاثمة على صدورنا ونتقبلها بغصة ومرارة، ونقبل بواقع مفروض علينا ولا نجرؤ على تغييره، مع أننا نستطيع رفضه وتغييره ولو بصورة تدريجية.

تلك المسلمات المجتمعية هل هي فعلا مسلمات أم قناعات شخصية كانت مقبولة في فترة زمنية ما، ثم تحولت فيما بعد إلى مسلمات لا يستطيع أحد معارضتها أو الخوض فيها؟!

وإذا كان هناك مسلّمات مجتمعية وهمية، فما هي تلك المسلّمات؟!

وحتى لا نستأثر بالإجابة عن هذه الأسئلة المعقدة والشائكة، ولا تكون إجابتنا أحادية الجانب، فقد وجهنا هذه الأسئلة إلى عينة مختلفة من أبناء المجتمع، وقد أكدوا في إجاباتهم على أن هناك مسلمّات وهمية لا تعدو كونها قناعات شخصية فقط، ومن جملة المسلّمات الوهمية المجتمعية التي ذكروها ما يلي:

- كثير مما يتعلق بأمور الزواج مثل: اختيار الزوجة، اتفاقية ما قبل عقد القِران، شبكة الخطوبة، طقوس حفل الزفاف بكل تلك النفقات الباهظة التكاليف، حفل الزفاف يكون ليلا، تأخر العروس في حضور الحفل حتى ساعة متأخرة من الليل...

  •  لباسك في المناسبات.
  •   بعض الأمثال الشعبية.
  •   ولائم الأفراح والعزاء.
  •   الفوقية تجاه المجتمعات الأخرى.
  •   كثرة السفر تعني الانحلال الأخلاقي.
  •   التفاخر بالنسب.
  •   تقديس علماء الدين وأنهم خارج النقد.
  •   تجهيزات استقبال المولود.
  •   شخص ذو مكانة علمية في مختلف المجالات لا بد وأن يكون أبناؤه مثله.
  •   عدم اعتذار الكبير من الصغير إذا أخطأ، حتى لو كان خطؤه ظاهرا واضحا عيانا بيانا.

أظنك أخي القارئ توافقنا الرأي في أن هذه المسلّمات الآنفة الذكر تحتاج إلى أن نفرد ونخصص لكل منها موضوعا مستقلا، نفصل فيه ونتناول كافة جوانبه، ونشبعه بحثا؛ حتى تتضح لنا الصورة كاملة ونستطيع أن نؤسس عليها رأيا جليا نقنع به المجتمع.

إن ما ذُكِرَ من تلك المسلمات المجتمعية الوهمية، ويالكثرتها، هو غيض من فيض، وهي ترسم في عقولنا قيودا وهمية مموهة تجعلها أسيرة ومقيدة، وترمي بها في خانة العجز الذي لا بُرْءَ بعده ولا علاج.

قيود المسلّمات المجتمعية الوهمية لها آثار ونتائج مريرة، فهي تمنع تقدم المجتمع نظرا لتوقف العقل عند نقطة زمنية مضت، حيث تكون عقولنا في عصر غير العصر الذي نعيش فيه، حيث إنه من المفترض تقدم العقل على الزمن وليس العكس.

إن أمثال هذه المسلمات لا بد وأن تطرح على طاولة النقاش وتُخلع عنها عباءة القداسة، وتُدرس مدى صلاحيتها، وكذلك فإن علينا أن نبحث عن بدائلها التي تتناسب مع مجتمعنا، وفِي الوقت نفسه عدم مخالفة تلك البدائل للشرع، وتماشيها مع الأنظمة والقوانين التي تنظم حياة الناس.