آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:40 ص

‏‎أهدوا إليه زيتا

محمد أبو زيد

‏‎في مكتبة والدي ”رحمه الله“ كنت ألمح كتاباً بغلاف قشيب زاهية ألوانه اسمه ”الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل“ للمؤلف المؤرخ العربي قاضي القضاة أبو اليمن القاضي مجير الدين الحنبلي.

‏‎كان العنوان يستفزني للقراءة عن هاتين المدينتين المقدستين عند عموم المسلمين، غير أن صغر سني وعدم قدرتي على الاستيعاب حالت دون تحقيق هذه الرغبة حتى كبرت وتحققت.

‎رسخ هذا الكتاب قداسة هذه الارض في وجداني خصوصا وأن والدي يقتني هذا الكتاب ويتحدث عن مكانة المسجد الأقصى، وكنا نتصور ان الحديث عنه سياسي بحت ولا يمس الدين والعقيدة بصلة، حتى سمعت قصصاً من بعض الآباء والأقارب الأكبر سناً الذين زاروا القدس الشريف ك، وصلوا في المسجد الأقصى المبارك، وأن الزيارة كانت بدافع ديني مقدس للشيعة كما زيارة قبور ومقامات النبي والأئمة صلوات الله عليهم. في في مواسم الزيارة الدينية.

‏‎استدعيت هذه المواقف عند قرأتي اليوم لمقالة الأخ الأستاذ جعفر الشايب حول ذكرياته لزيارة المسجد الأقصى، وحضر في ذهني مشاهد مماثلة استوحيتها من حديث لإحدى قريباتي قصتها علينا عند زيارتها مع والدها لهذه المدينة ضمن أحد مواسم الزيارة في حدود عام 1967م.

الزيارة تبدأ من المدينة المنورة ثم العراق حيث قبور الأئمة هناك وبعدها الى إيران مرقد الإمام الرضا وأخته فاطمة بنت الامام موسى بن جعفر «عليهما السلام» ويعودون مرة اخرى للعراق ومنها الى سوريا لزيارة العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين «عليهما السلام» ويختمون بزيارة المسجد الأقصى المبارك ومقامات وقبور الأنبياء العظام في مدينة الخليل .

‏‎عرفت فيما بعد ان لهذه الزيارة جذوراً دينية يؤكد عليها فقهاء الشيعة ”رضوان الله عليهم“ تبعاً لروايات واردة عن النبي والأئمة تحث على استحباب زيارة المسجد الأقصى وفضل الصلاة فيه، وأنه أحد أربعة مساجد بناها أنبياء عظام فالمسجد الحرام الذي بناه ابراهيم ومسجد قباء ومسجد المدينة بناهما رسول الله ﷺ والمسجد الأقصى الذي بناه النبي سليمان .

ولاحقاٌ عرفت موقف فقهاء الشيعة الإمامية من دعم قضية الأقصى والدفاع عنه حيث اصدروا الفتاوى ونظموا الصفوف وكانوا في طليعة الذين حضروا المؤتمرات وحشدوا المؤمنين لتحريره وتطهيره من رجس اليهود ودعوا الى توفير الدعم المالي للمجاهدين حيث أفتى بعض الفقهاء بجواز دفع جزء من الحق الشرعي ”الخمس“ للمساهمة في دعم المجاهدين من الفلسطنيين وغيرهم لتحرير هذه المقدسات وتطهيرها.

‏‎كنت اتحدث عن مكانة القدس لدى المسلمين الشيعة واهتمامهم بزيارته كأحد المقدسات الاسلامية في أحد مجالس مدينة صفوى في شهر رمضان المبارك قبل عامين تقريبا وكيف أنه كان مدرجاً على جدول أماكن الزيارة التي يقصدها المؤمنون في مواسم الزيارة الدينية لديهم، عندما اخبرني احد الحاضرين بعد الأنتهاء «تأكيدا على كلامي» بأن أحد الزوار الصفوانيين وأسمه الحاج ”علي العالي“ توفي اثناء زيارته للقدس في عام 1967م وللأسف فقد رفض المتولون لشؤون المسجد الأقصى دفنه هناك بسبب مذهبه ”شيعي“ فتم نقل جثمانه الى الشام ودفن بجوار العقيلة زينب !!

‎ان هذا الموقف المؤسف وربما غيره لا يمكن ان يكون مانعا او حاجزا عن الاستمرار في الارتباط بهذا المسجد الذي تشدنا اليه روابط دينية وعقدية جذرها نبينا صلى الله عليه واله عندما أكد على ضرورة استمرار التواصل معه ان لم يكن بالحضور والزيارة فليكن باهدائه زيتاً تشعل به مصابيحه.

ورد ان ميمونة سألت النبي صلى الله عليه واله فقالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: أرض المحشر ‎والمنشر؛ ائتوه فصلوا فيه!!

‏‎قالت: يا رسول الله؛ أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟! قال: ”أهدوا إليه زيتا تسرج به قناديله، فإن من أهدى إليه كان كمن أتاه“