آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

عدوانية الزمن «1»

محمد العلي * صحيفة اليوم

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا

وعناهم من شأنه ما عنانا

وتولوا بغصة كلهم منه

وان سر بعضهم احيانا

وكأنا لم يرض فينا بريب

الدهر حتى اعانه من اعانا

انا من محبي مشاهدة الافلام المصرية القديمة، ويبقى ذهني في ذهول حين ارى ممثلة او ممثلا في شبابهما، ثم انظر اليهما في شيخوختهما، فهنا اود ان اكون شاعرا رثائيا حتى اكتب عشر معلقات عن هذه الحالة من تدمير الزمن للانسان وسحقه له باقدامه الغليظة، معلقات تلوح عليها روح الشاعر الشاهق الجواهري:

لم يبق عندي ما يبتزه الالم

حسبي من الموحشات الهم والهموم

وحين تطغى عل الحران جمرته

فالصمت افضل ما يطوى عليه فم

وعدوانية الزمن عدوانية عمياء، فكل شيء في طريقها لا بد ان يتهدم ويتحول الى غبار سواء كان ماديا أم معنويا، فالافكار والابراج والمفاهيم والعادات كلها يسحقها الزمن وهو يضحك منشدا ما قاله ابوتمام:

ما ربع مية معمورا يطيف به

غيلان ابهى ربى من ربعها الخرب

ولا الخدود وقد ادمين من خجل

اشهى الى ناظري من خدها الترب

ومن العجيب الممض ان معظم المجتمعات، وهم تحت الخطى الساحقة للزمن، لا يزالون يعتقدون بالثبات لعاداتهم وتقاليدهم وأفكارهم، بل ورجم كل من يشب عن هذا الطوق بالهرطقة والانحراف وما شابههما من الحجارة.

هذه التهمة الجائرة بالهرطقة والانحراف بقيت تلصق بالمصلحين والذين يشيرون بأقوالهم وأفعالهم الى ما عليه المجتمع من الضلال في السلوك والحصيلة المعرفية.. منذ اتهام سقراط بأنه يطرح افكارا مخالفة لأفكار القدماء فتخدع الشباب وتحرفهم عن الطريق المضيء في ظنهم، ولذا حكموا عليه بالاعدام.

ومنذ عصر ما قبل الاسلام وحتى اليوم وغدا سيبقى الزمن ونهايته التي هي الموت مخيما على ألسنة الشعراء ومخيلتهم، ولو أردنا ان نحصي من ذهبت نفسه حسرات من الشعراء لعجزنا عن ذلك، أما في زماننا القلق هذا فالامر يحتاج الى وقفة اخرى لأن الوعي بالزمن في وقتنا الحاضر اصبح يرمي بالشرر، اصبح وعيا مختلفا عن الأمس.

كاتب وأديب