آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

عدوانية الزمن «2»

محمد العلي * صحيفة اليوم

كان المقال السابق محصورا في النظر إلى الزمن الفيزيائي وتأثيره المدمر على جميع وجوه الحياة والنشاط الإنساني، وهذا ما كان يسبب الآلام والحسرات في عصور ما قبل العصر الحديث.. ولم يصل الوعي الفردي والاجتماعي إلى أن هناك زمنا نفسيا وزمنا اجتماعيا، لا لأنها ليست موجودة، بل لأن الوعي - آنذاك - لم يبلغ سن النضج لادراكه، وما لم يصل الوعي إلى إدراك الشيء، فلن يكون لذلك الشيء أي أثر في الفكر أو السلوك.

أما في زمننا الحاضر، فقد تفتح الوعي على كل أبعاد الزمن الموضوعية والذاتية عند فئة من المجتمع يسمونهم «الانتلجنسيا»، ويعرفون بأنهم «فئة اجتماعية تشترك في عمل ذهني يهدف إلى توجيه المجتمع ونقده وحثه ثقافيا وسياسيا إلى الصعود في السلم الحضاري درجة بعد أخرى دون انقطاع».

من مصائب الإنسان أنه وحده من بين الكائنات الذي يعرف أنه يموت.. ومنذ ملحمة جلجامش وحتى ما يأتي من الزمن تسبب هذه المعرفة انواعا من القلق، آخرها ما يسمونه القلق «الوجودي» وهو المتولد من تراكم الاسئلة عن الحياة والموت والتي لا يجد الإنسان حلا لها، لأن الأجوبة نفسها تتحول إلى أسئلة ولا أذكر من قال: «شيئان لا يمكن التحديق فيهما: الشمس والموت» أي في النقيضين: منتهى الوضوح ومنتهى الغموض.

ولم أجد شاعرا سخر من الموت قبل محمود درويش وبعده الشاعر الكبير علي الدميني والشاعر البديع زين العابدين الضبيبي.

جدارية محمود درويش قصيدة مرهقة للقارئ في نظري؛ لأنه يطير بك إلى آفاق كثيرة تلوح فيها نوارس الحياة وغربان الموت التي سخر منها حين دخل «الابدية البيضاء» وراح يخاطب الموت:

«كن كالحب عاصفة على شجر

ولا تجلس على العتبات كالشحاذ»..

«واخلع عنك أقنعة الثعالب»..

«وحدك المنفي يا مسكين

ولا امرأة تقاسمك الحنين

إلى اقتصاد الليل

ولم تلد ولدا يجئك ضاحكا:

ابتي احبك»..

«أيها العاري من الرايات والبوق

كيف تمشي هكذا من دون حراس/ ‏وجوقة منشدين/‏ عشية اللص الجبان... الخ».

«التاريخ يسخر من ضحاياه

ومن أبطاله

يلقي عليهم نظرة ويمر».

كاتب وأديب