آخر تحديث: 19 / 10 / 2018م - 8:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

أساتذة التلقين

جعفر الشايب * صحيفة اليوم

كان معلمونا يتفننون في أساليب التلقين المختلفة لنا كتلاميذ طوال المراحل الدراسية ما قبل الجامعية، وأكثرهم كفاءة هو الذي يتمكن من تلقين طلابه المنهج ليحفظوه كاملا عن ظهر قلب، حتى لو استخدم العصا أو وسائل الضرب المختلفة كفرك الأذن والكف «الضرب على الخد» أو حتى البوكس «الضرب باليد المضمومة».

يبدأ التلقين من المحفوظات وحفظ الأناشيد، وبعدها آيات القرآن الكريم، وتليها الأحاديث النبوية ومعانيها، والمطالعة والقراءة، وتتعداها حتى قواعد اللغة العربية، وتصل إلى جدول الضرب ثم تلحقها المعادلات الحسابية. فعلا كانت أدمغتنا تعتبر آلة حفظ متنقلة فيها كميات كبيرة من المعلومات، وأحيانا نحفظ عن ظهر قلب معظم ما في الكتب المدرسية ولا نحيد عنها حرفا.

الجزاء والعقاب يكون على قدر ما تستطيع تخزينه واسترجاعه من معلومات، وهو مؤشر مهم للذكاء والجدية والمذاكرة. نلتهم كل ما هو مدون أمامنا من معلومات جغرافية وتاريخية ورياضية.

مع هذا النوع من المعلمين ليس هناك مجال للنقاش أو المجادلة أو حتى الاستفسار أحيانا. أتذكر أن أحد المعلمين كان يعلمنا اللغة الانجليزية وكان يلزمنا بحفظ وتسميع مقاطع المحادثات، وكأنها نصوص لغة عربية.

مادة النقد الأدبي كانت الوحيدة التي تفسح المجال أمام قراءات متعددة للنصوص العربية، وإشغال التفكير في محاولة التأمل في مقاصد الكاتب وأسلوبه وملاءمة استخداماته لأدوات التعبير في صياغة مادته. كانت هذه الحصة تعطي فسحة للفكر والتعبير وإبداء الرأي والاختلاف بين الطلاب والإبداع والتعمق في تحليل النصوص. مدرسو هذه المادة معظمهم كانوا ضليعين في فنون اللغة العربية، وقادرين على دفع الطلبة لاستكشاف مكنوناتها وجمالياتها، وكانت هذه الحصص من أكثر الفترات ثراء وحيوية وتفاعلا. الانتقال الذي حدث في التعليم من منهجية التلقين إلى التفكير مهم للغاية، وهو بحاجة إلى استحداث أساليب إبداعية وبرامج لاصفية تعود الطلاب على ممارسة النقد والتفكير والمناقشة وطرح الأسئلة بحثا عن إجابات مقنعة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 1 / 1 / 2018م - 6:11 م
الجود بالموجود.
تخرجنا من المدارس والجامعات مع ذلك التلقين. يحتاج الشرق إلى تحديث نظامه الدراسي من المادة إلى التطبيق وما يحتاجه أكثر هو تبني المخرجات البحثية والعلمية.
موضوع أرجعني إلى ذكرى الصبا.