آخر تحديث: 16 / 7 / 2018م - 9:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل كان أهل البيت (ع) يلبسون السواد في حجابهن؟

زاهر العبدالله

حوار جرى في قروب على خلفية صورة لأحدهم تقول متهكماً على العباءة السوداء أنها كيس فحم.

مقدمة:

قال تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجكَ وبَناتِكَ ونساءِ المُؤمنينَ يُدْنِينَ عَلَيْهنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذلكَ أدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ.. 89 الأحزاب

تأمل الآية جيداً تجد الجواب الشافي

قبل الدخول في لون عباءة الزهراء نحتاج إلى أن نعرف جوهر الحجاب أولاً عند الزهراء وما يحمل من معاني هامة جداً.

الحجاب عبارة عن الستر والعفاف من كل ما يشغلها عن ذكر الله ويصرفها عنه سبحانه فكل أنفاسها وحركاتها وأقوالها وأفعالها ترجو أن تكون لله وفي طاعته وبعيدة عن معصيته ذاكرة عابدة زاهدة.

مؤديةً حق زوجها وأبنائها محافظة على نفسها وخدرها شاكرةً لله في كل آناتها فاستحقت بذلك كله جزيل الفضل والكرامة والأوسمة الجليلة والعالية فقد قال رسول الله ﷺ وسلّم:

1 - «فاطمة سيدة نساء العالمين». [1] 

2 - «فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله». [2] 

3 - «يا فاطمة إن الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك». [3] 

4 - «وعلم يا علي أني راض عمّن رضيت عنه أبنتي فاطمة وكذلك ربي وملائكة، يا علي ويل لمن ظلمها..» [4] 

بعد هذه المقدمة لنرى روايات الحجاب واللبيب بالإشارة يفهم...

أول صُوَر الحجاب للزهراء حين غُصِب حقها وخرجت للمسجد تطالب بحقها فانظر بعين العقل والقلب لحجابها بالرغم أنها مفجوعة بفقد أبيها ومضطهدة ومقهورة رغم ذلك راعت أعلى درجات الحجاب لاحظ ما تقول الرواية

روى عبد الله بنُ الحسن بإسنادِه عن آبائه أنَّه لَمّا أجْمَعَ أبو بكرِ عَلى مَنْعِ فاطمةَ فَدَكَ، وبَلَغَها ذلك، لاثَتْ خِمارَها على رأسِها، واشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها، وأَقْبَلَتْ في لُمَةٍ مِنْ حَفَدتِها ونساءِ قَوْمِها، تَطأ ذُيُولَها، ما تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسولِ الله ﷺ، حَتّى دَخَلَتْ عَلى أَبي بَكْرٍ وَهُو في حَشْدٍ مِنَ المهاجِرين والأَنصارِ وَ غَيْرِهِمْ فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ، فَجَلَسَتْ......» [5] 

الشاهد من الحجاب:

لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها وهذه إشارة على تغطية الوجه ولبسها الواسع الفضفاض وزيادة على الحجاب الجسدي خرجت في لمة من حفدتها ونساء قومها بل أكثر من ذلك وُضعت ملاءة بينها وبين الرجال أي حاجز من القماش بحيث لا ينظر إليها الرجال وهي مع نسائها لاحظ المشهد بعين العقل والقلب.

لعلَّ المتابع للجواب يقول وأين لباس السواد عليها؟

نقول له: تابع المشهد في عقلك وقلبك تجد أنها حجبت نفسها من خلال حجابها ونساءها ووضع حاجز بينها وبين جمهرة الناس من حولها وحجابها كفيل بهذا الجواب خصوصا للمتابع والباحث للسرد التاريخي والروائي خصوصاً إذا علمت أنه لا يظهر لأهل البيت ذكرا ولا رسمياً في التاريخ بسبب أنه بين مطرقة الحاكم وسندان الخوف فطبيعي أن لا يأتينا تفاصيل تبين ما هو لون عباءة الزهراء ولكن المتابع لسيرة الصحابيات في عهد رسول الله ﷺ تكشف لنا وتصف لون عباءتهن فقد اختارت كثير من النساء لبس السواد لا لكونه واجباً، وإنما لكونه أبعد عن الزينة، وقد ورد ما يدل على أن نساء الصحابة كن يلبسن السواد.

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ خَرَجَ نِسَاءُ الأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رؤوسهن الْغِرْبَانَ مِنْ الأَكْسِيَةِ». الأكسية: يعني السواد من الثياب. [6] 

أن الحجاب «الخمار والجلباب - العباءة» لا تستخدمه المرأة إلا حال اضطرارها للخروج من بيتها.. إذ الأصل بقائها في بيتها وحصنها «وقرن في بيوتكن».

أخرج عبد الرزاق في المصنف عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية «يدنين عليهن من جلابيبهن» خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، «وعليهن أكسية سود يلبسنها» «كأن على رؤوسهن الغربان» وعنها أيضا: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس» متفق عليه. لاحظ الشاهد «لا يعرفهن أحد من الغلس».. ومن المعلوم أن الغلس هو ظلام آخر الليل.... لكن يفهم من هذا الحديث أنهن كنّ يعرفن قبل الحجاب حتى في هذا الوقت.. لكن لمّا فرض الحجاب وكنّ يرتدين «السواد» فصرن لا يعرفهن أحد من غلس الزمان والهيئة. [7] 

هذه النصوص تبين بوضوح أن اللون الأسود في الحجاب هو اللون الأقرب للستر والأبعد عن أن يكون زينة في نفسه، وهو كذلك أبعد من أنس العين له بالنظر بخلاف بقية الألوان التي لا تخلو من شيء من ذلك.

ثم ننظر للباس السيدة زينب ابنة الزهراء والمفروض تكون نموذج لتربيتها ما كانت تلبس؟ تأمل هذه الرواية

قال يحيى المازني: «كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدّة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول الله ﷺ تخرج ليلاً، والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن مرّة عن ذلك، فقال : أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أُختك زينب» [8] 

لاحظ عمق الحجاب والعفة أنهم يستعينون بسواد الليل لكي لا يراها أحد إذ لو كانت تحمل لون أصفر مثلاً أو أحمر أو غيرها من الألوان لعله يُميّز مع وجود ضوء القمر ولكن الأقرب للصواب أن يكون السواد هو الأقرب فإذاً الصحابيات وأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وتحت نظر رسول ﷺ وسلّم وهو على علم بحجابهن ولم يعترض عليه. أتراه يقره على الصحابيات وينكره على ابنته هيهات بل الأولى أن تكون سيدة نساء العالمين نموذج العفاف والحجاب والحكمة والوقار

بقيت نقطة أخيرة:

بعد أن علمنا أن سواد العباءة له جذور في الموروث التاريخي فطبيعي ترى استمراره إلى يومنا الحاضر.

مع شديد الأسف حزنت كثيراً وأنا أبحث في المصادر عن حياة الزهراء إذ وجدت قلة في المصادر من سيرتها وتفاصيل حياتها وهذه جريمة كبرى في حقها إذ بقيت مع أبيها 18 عام ولم يذكر عنها إلا القليل وهي ابنته الوحيدة من خديجة على كل مالها من فضلٍ وكرامةٍ ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الخلاصة:

بحثنا المتواضع لا يثبت وجوب لباس السواد للعباءة بل يرجح لبس السواد على غيره من الألوان لعدة أسباب منها أنهُ من أكثر الألوان التي يزهد فيهِ الناس ولا يلفت النظر خصوصا إذا كان وفق الضوابط الشرعية من الاتساع والفضفاض واللون الداكن والسميك بحيث لا يشف ما تحته وما يطابق العرف فيه.

وهذا لا ينافي أن هذا اللون من الحجاب قد يكون غير مطابق للعرف والذوق السليم في الغرب فيكون عكس ما أريدَ له من عدم لفت الانتباه له فالأجدر لبس ما هو متعارف عليه في تلك البلدان شرط أن يكون وفق الضوابط الشرعية التي ذكرناها سابقاً وما طرحوه مراجعنا العظام في رسائلهم العملية..

والحمد الله رب العالمين.

[1]  معاني الأخبار ج1 ص 107

[2]  علل الشرائع ج1، ص 219

[3]  كنز العمال - للمتقي الهندي - ج11 - ص111

[4]  بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج22، ص485

[5]  كتابه «شرح نهج البلاغة» ج 16 ص211 - 213

[6]  روى أبو داود «4101» والألباني.

[7]  صحيح البخاري ص 578

[8]  وفيات الأئمّة: ص 435.