آخر تحديث: 2 / 6 / 2020م - 10:56 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اللِّسَانُ الأسود

كمال بن علي آل محسن

اللسان الأسود هو حالة طبية مؤقتة تحدث في التجويف الفموي لِلِّسَان، حيث تُكْسِب اللسان اللون الأسود، إلا أنها لا تُمثل حالة طبية خطيرة، كما أنها حالة مؤقتة لا تستمر كثيرا ولا تحتاج إلى علاج طبي.

من أعراض هذه الحالة على الشخص المصاب بها:

القلق والانزعاج، وتغير المذاق في الفم، ورائحة النفس الكريهة.

وتعالج هذه الحالة بواسطة العناية بنظافة الفم بوجه عام.

اللسان الأسود كحالة طبية لا تحتاج إلى علاج كما أشرنا آنفا، ولكنها لو تحولت إلى حالة أخلاقية فلا بد من المبادرة وعدم الإبطاء في معالجتها، وإلا تحولت إلى مرض مزمن يصعب علاجه والبُرْء منه، وكلما توانينا وتقاعسنا في العلاج؛ فإن تلك الحالة ستتطور عكسيا؛ لِتَجُرَّ صاحبها إلى مستنقع ذي قعر لا نهاية له.

قد يكون هذا المصطلح «اللسان الأسود» غريبا على الكثير منا إذا قُصِدَ به الحالة الأخلاقية، ولتوضيحه نقول: إن اللسان الأسود كحالة أخلاقية هي حالة غير ظاهرة أو مرئيّة تحدث في اللسان فيتحول لونه إلى الأسود، ويعود السبب في ذلك إلى تَعَوُّد ذلك اللسان على آفة من أعظم آفاته ألا وهي «الغِيبَة».

الغِيبَة هي أن تذكر إنسانا معينا بما فيه ممّا يَكْرَه في حال غيابه، وهي محرمة شرعا، وكبيرة من الكبائر، تأنفها النفس البشرية السوية.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ.

لقد وصف الله سبحانه وتعالى المغتاب كالآكل من لحم أخيه الميت!

صورة شديدة القبح والشناعة في عالم الإنسان! ولو تأملنا بواعث الغِيبَة من عداوةٍ وحسد وهزل ومباهاة ومجارة وتعجب وسخرية فإننا سنجدها لا تقل قبحا وشناعة عن الغِيبَة نفسها، فهي بواعث ودواعٍ تدل على مرض مستفحل في نفس المغتاب، وليست مبررات مقبولة له؛ كي يقع في الآخرين ويغتابهم، بل إنّ هذه البواعث فيها دلالة واضحة على نَفسٍ وضيعة يحملها ذلك المغتاب.

لِيعلم ذلك المغتاب بأن لسانه الأسود الذي تعود الغِيبَة سيُلْقِي به في حفرة نارية يزداد غورها يوما بعد يوم، والآثار المترتبة على الغِيبَة ستطاله فتُذْهِب بدينه، وتُخْرجه من ولاية الله، وتُدْخله في ولاية الشيطان، وتُحْبط عمله، وتُشْغِل ذمته بحقوق الله وحقوق الناس، وأنَّى له أن يتحمّل كل تلك الآثار!

لو كان لسان المغتاب - عندما يبدأ مسلسل الغِيبَة - يتحول إلى اللون الأسود بشكل ظاهر ومرئي للعَيان، ويُصاب بنفس الأعراض الطبية من قلق وانزعاج وخروج رائحة كريهة مقززة بشعة من فمه؛ لربما شعر بالحَرَج أمام الناس وتوقف عن هذه العادة الأخلاقية البذيئة، وللألجم لسانه وأمسكه، ولربما قطعه قبل أن يفكر في أن يغتاب أحدا من الناس.