آخر تحديث: 2 / 6 / 2020م - 9:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هموم ما قبل الهموم!

كمال بن علي آل محسن

يُعرَّفُ الهَمُّ في علم النفس بأنه: التفكير السلبي المتواصل من غير انقطاع بشأن التهديدات والتحديات المستقبلية والطرق الممكنة لمعالجتها، والحلول الناجعة لها.

وبطبيعة الحال فإن تعاقب هذا النوع من التفكير يؤدي إلى القلق والتوتر ثم الكآبة.

من خلال هذا التعريف يتضح لنا وبصورة جلية - لا لَبْس فيها ولا غموض ولا تشويش - أن الهموم من الأمور التي لا ترغبها نفس الإنسان التواقة إلى الجَذَل والحبور والسكون.

فلماذا إذًا نغرس - وربما نغرز - الهمّ تلو الهمّ في نفوس أبنائنا منذ نعومة أظفارهم، وحتى قبل أن يدركوا أبعاد هذا المصطلح المحبط المؤلم؟!

إن الهموم بكافة أنواعها ستأتي تباعا على أبنائنا ولا بد لهم من التعامل معها، والتأقلم مع أعراضها ومحاولة السيطرة عليها، وإيجاد الحلول المناسبة لها، كل ذلك سيأتي وله وقته، فلِمَ العجلة والإسراع والبَدَرَان؟!

إن كل مرحلة من مراحل عمر الإنسان لها طابعها وهمومها التي تجتاحها وتعصف بها، والهموم تبدأ متدرجة كما عمر الإنسان، فتكون في بادئ الأمر صغيرة وبسيطة، ثم ما تلبث أن تكبر وتتشعب وتتعقد، وربما تتوحش إذا لم يتم التعامل معها بصورة صحيحة؛ لذا علينا أن نكون واقعيين ونحسن التعامل مع فلسفة تلك الهموم عندما نطرحها على أبنائنا، وكما هي متدرجة في القوة والدقة والتعقيد فعلينا أن نكون كذلك، فلا نقدم لهم الهموم الكبيرة ابتداءً، بل نستهِلّ ونَشْرَع بالهموم الصغيرة معهم، ونخاطبهم على قدر عقولهم وحجم وعيهم.

ولكن في مقابل ذلك الطرح لتلك الهموم فإن هنالك حوارا من نوع آخر، وبدائل رائعة نرى أنه من الواجب علينا تقديمها على الهموم، وإعطاءها أولوية حقيقية ومستحقة في هذه العمر الصغيرة، وهي على ضفة النهر الأخرى، ومن تلك البدائل: التفاؤل والحب والمثابرة والعطاء وروح الإبداع، فلْنُمْسِكْ بالمِعْوَل ولْنَحْفُرْ قناة تصل بين النهر وتلك البدائل.

عندما نتحدث مع الأبناء في هموم/أفكار سلبية لا يعيشونها ولا تعنيهم ألبتة، ونراهم يُومِئُون لنا برؤوسهم دلالة على إدراكهم لتلك الهموم، هم في واقع الأمر لم يستوعبوا شيئا، وعقولهم البسيطة غير الناضجة تفكر في تلك اللعبة المعلقة على الرف خلفنا. هذه المواقف ونُظراؤها تدعونا لوقفة تأمل وتبصُّر وتفكُّر!

دعوا أبناءكم يعيشون طفولتهم التي فيها كل شيء عدا الهموم/الأفكار السلبية التي نحاول أن نقدمها لهم على طبق من شوك، وإن كانت هناك هموم، فهي لا تعدو كونها جرعات صحية تتناسب والمرحلة التي يخوضونها.

كثير من الآباء يظنون أنهم يحسنون صنعا عندما يعرّفون أبناءهم بهموم المستقبل/التهديدات والتحديات، ولكنهم - ومن شدة خوفهم وحرصهم - ينسون عمر الزهور وأحلام الطفولة وعالم البراءة الذي ينتمي إليه الأبناء، ولو حدقوا في عيونهم لشاهدوا أرجوحة تحمل أبناءهم وتطير بهم إلى دنياهم؛ دنيا اللاهموم، وهم في حالة من البهجة والفرح والسعادة.

هل هذه اللوحة الطفولية الجميلة يمكن أن نزاحمها بتلك الهموم التي ستودي بهم إلى ظُلْمَة الكآبة بعد أن يستوطنهم القلق والتوتر؟!

أضع بين أيديكم القلم ورزمة من الأوراق؛ لتكتبوا الإجابة، وتنثروا عليها بَتَلات الورود، هذه بَتَلة الحب، وتلك بَتَلة التفاؤل، وبين هذه وتلك ينبثق شعاع الأمل ليخترق آفاق المستقبل المشرق لهذه الغِرَاس الندية.