آخر تحديث: 20 / 8 / 2018م - 1:08 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المؤمن ساكنة ريحه «ثبات وبصيرة» ‎

ورد في دعاء مكارم الأخلاق للإمام السجاد: «و ألبسني زينةالمتقين في... وسكون الريح.»

تتعدد الصفات الدالة على قوة شخصية المؤمن المتمسك بثوابته وقيمه، فأمره من الوضوح والبيان بمكان، وبناء على محجة بيضاء يتخذ قراراته ومواقفه الصادقة والمتوافقة مع مبادئه دون أن يظهر منه ازدواجية أو تلون أو انفصام بين ما يقوله من أفكار ورؤى وما بين يبرز منه من خطوات عملية.

في عالم يطلق فيه جل الناس ما يحلو لهم من تنظير ووجهات نظر يتبنونها أو يستقربونها، تسمع الكلم الطيب من الفم النتن وهو يسطر مفردات القيم الإنسانية، ولكن المواقف العملية واللحظات الصعبة التي تحتاج تحديد حقيقة الموقف والاتجاه بنحو معين، هو ما ينزع الأقنعةالزائفة ويخرس الألسن الكاذبة ويعري تلك الوجوه من كل الألوان والأصباغ التي يخفون بها ما يخدش شخصياتهم ويكشف سوآتهم، فمن غير الممكن أن يتوارى بطاقية الإخفاء على طول الخط، فلابد من محطات تكشف الحقائق.

وما أجمل ذاك التعبير الذي يشير به الإمام السجاد لإحدى الصفات التي ينبغي أن تتجلى منها مواقف المؤمن القوي، وهو ثبات المواقف والوقوف على أرض صلبة من الأفكار والسلوكيات كالريح الساكنة، والتي تنبيء عن القرار والثبات في مقابل من تتزلزل وتتزعزع مواقفهم عند اشتداد المحن أو الظروف، فهناك تتمايز المواقف الإيمانية الموسومة بالقوة والثبات، فقوة الشخصية لا تعني التزمت وعمى البصيرة والسير التقليدي الأهوج، بل هي الحكمة والوعي في دراسة القرار والأفكار والبحث في أبعادها بتأن، ومن ثم اتخاذ الموقف العملي المستصبح بنور القرآن الكريم وهدي الأولياء الصالحين والمنظومة الأخلاقية، متحريا رضا رب العالمين وتنفيذ إرادته بعيدا عن الأهواء والعاطفة العمياء، فلباس التقوى والاستقامة يمنعه من النظر الشهواني أو المصلحي الذي يعريه من علائم الصلاح والخوف من الله تعالى، بينما نجد أهل الدنيا النفعيين يجعلون بوصلة حركتهم ومواقفهم مصالحهم وما يستدرونه ويستجلبونه من منافع لهم، ولذا لا ترى لهم ثباتا على موقف او قرار معين، بل الحق والصدق عندهم في كفة اليوم وفي أخرى غدا، وتقييمهم للأشخاص لا يخضع لما يحملونه من فكر وقيم، بل الكذاب الأشر عندهم من يقف بوجه مصالحهم ولا يستحصلون من جهته على مال أو قوة أو جاه، فإن مدحوا إنسانا وأسبغوا عليه وافر المحامد والفضائل فهذا لا يعني وجود حقيقة لما يتفوهون به، بل هو صبغ يلونون به مآربهم ويكشف عن خستهم،

وإن اضطر يوما لتقديم تنازلات مهينة ومشوهة لشخصيته بل وتحط من كرامته وتجعله موطأ لأقدام الغير، فإنه مستعد ليكون مداسا لأرجلهم في سبيل تحصيل حفنات من المال أو قليل من المتاع، فقد انسلخوا من الإنسانية ونزعوا ثوب الحياء ولا يبالون بالظهور امام مرأى الناس وسوآتهم المعنوية ظاهرة ويبصرها الجميع، إنها قذارة النفس المعبرة عن الانحطاط الأخلاقي والالتصاق التام بالمصالح.