آخر تحديث: 19 / 10 / 2018م - 8:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

الثقافة الكرتونية «2»

محمد أحمد التاروتي *

المرتكزات الثقافية القائمة على مفاهيم اصيلة، تمثل بوابة لدخول معترك الحياة، بأقدام ثابتة، وقدرة على مواجهة أقوى التيارات العاتية، نظرا لوجود جذور ضاربة في العمق، مما يحول دون اقتلاعها، مع هبوب الرياح الفكرية المختلفة، الامر الذي يفسر ثبات اقدام البعض مع دخول تيارات فكرية طارئة، وانحراف البعض مع تلك التيارات بكل سهولة، فالعملية مرتبطة بقدرة المباني الثقافية والفكرية، على مقارعة عمليات التشويش والتشكيك، التي تنطلق منها التيارات المضادة، من اجل ضرب القناعات من الداخل، عبر احداث نوع من التزعزع، للسيطرة على المشهد الثقافي في الساحة، من خلال ازاحة أعمدة التيارات الفكرية، من معركة الصراع القائم بين الطرفين.

الثقافة الكرتونية غير الواضحة والملتبسة، المستندة على خليط قائم على مفاهيم، ومبادئ متصارعة ومتناحرة، تلك الثقافة تشكل خطورة كبرى على المسيرة الثابتة، لحامليها بالدرجة الاولى، نظرا لغياب الثوابت القادرة، على إعطاء رؤية واضحة، مما يحول دون وضع هذه النوعية من الثقافة، في سياقات الثقافات المستقلة، والقادرة على البقاء، والاستمرار، ورفد البشرية بالعطاء، فهذه النوعية من الثقافات تموت في الغالب بموت حملتها، او تضمحل بمجرد مزاحمة احدى الثقافات الجديدة، نظرا لافتقارها لعناصر البقاء، وانعدام القواعد الراسخة، القادرة على المواجهة حتى النهاية، الامر الذي يفضي في نهاية المطاف، لوضعها ضمن صفحات التاريخ، فهناك الكثير من الثقافات الكرتونية، التي اندثرت على مر التاريخ، باعتبارها ثقافات طارئة، وغير قادرة على الحياة، اذ ينقل التاريخ الكثير من التيارات الفكرية، التي ظهرت واختفت بعد موت أصحابها، والتي تعرف في الكتب التاريخية، بالمذاهب سواء الدينية او الفكرية.

لا تقتصر خطورة الثقافة الكرتونية، على أصحابها او الشرائح المدافعة عنها، بل تشمل البيئة الاجتماعية، فهذه النوعية من المفاهيم، تسهم في تلويث البيئة الثقافية الاجتماعية، جراء بث سموم ومعتقدات، غير قادرة على البقاء، نتيجة افتقارها للرؤية السليمة المستندة، على الفطرة السليمة، لاسيما وان الجزء الأكبر من المفاهيم، التي تحتويها الثقافة الكرتونية وقتية، ومرتبطة بحدث باطار زمني محدود، فضلا عن كونها بمثابة خليط غير متجانس من الرؤى، مما يجعلها قابلة للشطب بمجرد جرة قلم، بمعنى اخر، فان المجتمع الذي يفتح عقله، لاستقبال هذه النوعية من الثقافة، يضع مصيره في مهب الريح، نظرا لعدم القدرة على الوثوق في بقاء حملتها، على المواقف الثابتة على الدوام، اذ قد يصحو المجتمع على نداءات مغايرة تماما، وبالتالي وضع كافة أفراد المجتمع، تحت رحمة التيارات الجديدة.

امتلاك المبادئ الراسخة، لمواجهة العواصف الفكرية، والتيارات الثقافية المتلاطمة، تمثل الملاذ الامن، لامتلاك زمام المبادرة، في جميع الأوقات، فالضياع يكون مصير كل تيار فكري، يتخلى عن المرتكزات الثقافية المنطلقة، من القناعات الفكرية المستندة، الى المعتقدات الدينية، خصوصا وان التنازل عن المبادئ الثقافية، لا يمت لعملية مواكبة التطور بصلة، فهناك فرق بين التجديد المستند على الثوابت الفكرية، والانقياد الطوعي وراء الهجين الكرتوني، الذي يفتقر للطعم واللون والرائحة، فالأول يمثل مسارا طبيعيا ومقبولا، لدى جميع النخب الفكرية المدافعة، عن المرتكزات الثقافية الراسخة، والثاني يعتبر خروجا عن المسار الصحيح، واختيار منهجا مغايرا، يفتقر للقاعدة الصلبة القادرة، على مواصلة عملية النهوض، والتنوير الثقافي، خلال العقود القادمة.

كاتب صحفي