آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

إمَّعة

محمد العلي * صحيفة اليوم

إمََعة مفردة يعرفها من هب ودب، وعرف الفرق بين الكامل والخبب، أما التعبير بها، فهو متسع اتساع جبة ابن الفارض، ومختلف اختلاف التضاد بين البياض والسواد، فمن وجوهه السوداء قوله:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانا

فهؤلاء الذين ظن قريظ بن أنيف أنه كال لهم المدح كيلا، قد عبّد وجوههم، فأصبحوا مثل بعير طرفة، فهم كلهم إمَعة، أي ينعقون مع كل ناعق، ويمرقون مروق السهم من الرمّية مع كل مارق، إنهم القطيع، أولئك الذين يسميهم الفقهاء المقلدين، وللأوامر مهطعين.

هل جربت سلوك القطيع؟

إذا لم تفعل، فأنت من زمرة البؤساء الذين يعذبون نفوسهم بالتفكير، والكفاح في انهاض وعي مجتمعاتهم، والحلم الطويل العريض المنكبين، في الزحف نحو الأفضل. دعهم، في غيهم يعمهون، وانخرط في القطيع، بالخطو السريع، ففي ذلك فوائد لكل من يطيع، فمن فوائده التي:

هي البحر من أي النواحي اتيته

فلجته المصروف والصرف ساحله

1 - إنه يريحك من عبء التفكير.

2 - إنه يبعدك عن كل ملاحقة تسمى قانونية.

3 - إنه يجعل جيوبك مترعة.

كل وجوه الإمَّعة سوداء، ما عدا وجها واحدا، عبرت عنه الشاعرة الصريحة فدوى طوقان بقولها:

«نادني من آخر الدنيا ألبي

كل درب لك يفضي هو دربي»

وإذا دخلنا يا أصحاب من هذا الباب، فسوف تهب علينا ريح «غدوها شهر ورواحها شهر» تحمل كل الشعراء، حيث تراهم يتزاحمون، للدخول من هذا الباب، يسبقهم جميع الصوفية يتقدمهم الشيخ ابن عربي، الذي رفع شعاره القائل: «كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه».

سعة هذا الباب هي سعة التاريخ، بحذافيره، ونوافيره وقواريره، ولن تجد خارجه إلا الزهاد والعباد والفقهاء، غير أنك سادر في الوهم، إذا ظننت أن هؤلاء ليس عندهم باب إلى جنان التاريخ، كلا، أيها السيد، إن لديهم من الرؤية ما هو أبعد من تصورك.

هل تعرف أول من دخل من هذا الباب؟

ستقول، بسرعة الضوء، إنه آدم.

تقول ذلك، بدون ظل للشك، أو شبح للتردد، وأنا لا أخالفك. ولكني أسأل: من دخل أولا، أهو آدم، أم السيدة حواء، أم هما معا؟.

كاتب وأديب