آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 4:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ماذا يعني: كتاب أو مقال أصاغ فكرك

المهندس أمير الصالح *

قبل انصرام عام 2005 م، حضرت نشاط سنوي وهو منوال اعتادت ان تقوم به معظم الشركات التجارية العالمية وهو عقد عشاء عمل ترفيهي لفريق المبيعات احتفالا بالانجاز وتحقيق اهداف المبيعات واستعراض لجملة من التحديات وحث الفريق لشحذ الهمم لـ السنة المقبلة. كان فريق العمل الذي كنت عضوا فيه، فريق مختلط الجذور والقوميات والجنسيات.

تناول الحضور اطراف حديث ثقافي طويل ونحن على طاولة غداء العمل. فبعد الحديث عن العمل وتحدياته وذكر لبعض المواقف ذات العلاقة؛ قفزنا في الحديث ك قروب لنتحدث في مواضيع حياتية عدة، منها ماهو من الطرائف ومنها ماهو عن المواقف المحرجة ومنها ماهو مواضيع اقتصادية وقراءات مستقبلية لـ الحياة الاقتصادية او الاجتماعية. استوقفني سؤال لاحد المشاركين والذي وجهه احد الحضور للجميع بهدف اثراء الحوار؛ وكان السؤال: ما اسم اكثر كتاب اثر في صياغة افكارك؟!

سأرمز للسؤال هذا اختصارا س 1.

وكان السؤال «س1» ذكرني بسؤال طرحه احد الاصدقاء قبل عدة عقود، والسؤال كان: لو ان غدا هو اخر يوم لك، فاي عمل او اعمال تود ان تعملها ك خاتمة لمسيرة حياتك؟

سأرمز للسؤال الثاني اختصارا س 2.

في الجواب عن س2 وهو عن آخر اعمالي لو ان غدا اخر يوم في حياتي، استعرضت جميع الاعمال الملائكية من مساعدة الفقراء وصلة الرحم والتبرع ببعض المال والمصافحة عن المسيئين والتهجد لله ذكرا وخشوعا ك اخر اعمال اوؤديها في حياتي. اثناء تذكري لـ س2، استدركت انني الآن في جو الجواب على س1 الذي طُرح من قبل احد الاصدقاء بالعمل عن ماهو اسم الكتاب الذي اثر في نشأتي الفكرية.

استعرض بعض الشباب المشاركين في عشاء العمل وهم من قوميات وجنسيات مختلفة وثقافات متنوعة اجوبة متنوعة للسؤال الاول المرمز له س 1، وعليه سجلت تلك الردود. منهم من ذكر كتب تتعلق بالدين ومن هم من ذكر كتب في الادارة وتطوير الذات والثقة بالنفس..... ومنهم من ذكر رواية او فيلم او قصة حقيقية عاشها... الخ.

افترقنا بعد ذلك اليوم المملوء لقاءات طويلة ولكني استفردت بنفسي في جوف الليل لاتامل مادار في ذاك الحديث وما سجلت من ملاحظات. واستدركت انه مالم اسجله ولم يستحضره اي من الحضور حينذاك هو علاقة تكوين الأنسان السلوكي بما اطعم نفسه به فكرا. فكان الجواب في اغلبه متمرجحا بين استعراض العضلات الثقافية بذكر اسم مؤلف فيلسوف او كتاب ذو صيت عالمي او اسم فيلم مشهور وبين تاكييد انطباع معين عن نفسه من انتماء ديني او توجة ايدلوجي ليبرالي او علماني او محاولة خلق انطباع محدد لدى الحضور عن نفسه.

كانت الجملة الشهيرة «Garbage in، Garbage out، good in، good out» تتقافز في ذهني اثناء الحوار ومحاولة فرز السلوك الحقيقي للانسان الذي امامي بناء على التمظهر الثقافي والفكري المدعى من جهة وبين السلوك الواقعي الملموس لما يمارسه.

فعليا كما تصيغ جهاز الحاسوب ب البرمجة السليمة لدعم تشغيلك له في كامل المدة الزمنية لاستخدامك له، كذلك هو عقلك ومشاعرك. فمن يُبرمج عقله بكتب تاريخية متناقضة الهدف وتداخل التفكير السليم بالتفكير الخاطئ لتبرير سلوكيات واحداث متناقضة، لا تتوقع ممن تاثر بهذه الافكار المتناقضة ان ينادي بالمساواة والتعامل الحسن بضوابط انسانية محترمه. ومن كان صياغة فكره مبنية على حشو تلقيني غير قابل للنقاش ومُسقِط لحقوق الاخرين ومستهتر بالافكار المنطقية، فلا تتوقع منه بان يصطف ذلك الشخص للمطالبة بالحرية للاخرين او السعي لاطلاق روح الابداع والفكر الحر او النظر بعين الانصاف او الوقوف مع المسحوق المنتهك حقوقه.

وببن هذا وذاك هناك اطياف من الشرائح المتنوعة.

من جميل الحديث ذاك استقرأت الكثير من السلوكيات للاصدقاء في العمل بناء على نوعية الكتب التي اثرت بصياغة فكرهم كما زعم البعض منهم. وهذا يؤكد حقيقة بان البعرة تدل على البعير. فاذا قرأت في الجريدة او سمعت في اروقة مكان عملك عن امر فابحث عن الاسباب والمؤثرات التي بموجبها صيغت البيئة والافكار في العمل او السوق او الشارع والتفاعلات المتوقعة بناء على الصياغة الفكرية للعقول المحيطة.

واستطرادا في نفس الامر من اجتماع سنوي للاعضاء الشركة التنفيذيين، من جميل مايُسجل في انشطة بعض الشركات الناجحة هو مراجعة الخطط دوريا للوقوف على ما اُنجز ولتعديلها او قياس مدى الالتزام بها للوصول للاهداف المتوخاة. وعليه ادعو نفسي اولا وادعو اخواني وابناء وطني لعقد مراجعات ذاتية دورية لتحقيق نجاحات في كل الاصعدة لاسيما الاخلاقية والمعاملات البينية والارتقاء بالمجتمع ليتم المطابقة بين السلوك في التعامل والتنظير في الاخلاق والتربية، فنحن اهل ديرة وبلد واحد؛ لتكون ايامنا ملائكية عطاءا وبذلا واحتراما وانسجاما وذكرا لله وبرا بالوالدين وحسن المجاورة واحترام متبادل، من خلال تغذية افكارنا بجميل مانقراءه او نسمعه.

في واقع المشاهدات اليومية، رصدت، مع الاسف، بعد تصفحت ليس بالقليل من اعمال اليوتيوب وتغريدات التويتر وكتابات البعض في الفيس بوك، نوعيات من التسجيلات الصوتية الهابطة والكتابات والتغريدات المحرضة ضد الاخر حتى ضد ابناء الوطن الواحد! والتاريخ يعلمنا بان تفتت وحدة اي وطن او مجتمع، تسيل لعاب الانتهازيين «راجع كتاب فنون الحرب لـ سن زو» وتسهل امور المعتدين لكثرة التشرذم وسيادة الضغينة في ذات المجتمع الواحد.

ورصدت من ناحية اخرى حراك للملمة الوحدة الوطنية ورص الصفوف لابناء المجتمع بعناوين مختلفة وان كانت بصوت مخنوق او مبحوح في احيان كثيرة. وهذا يعني ان ابناء الوطن الواحد يرضعون من ثقافات متنوعة بين التصادمية منها والتآلفية، ويقرؤون من كتب عدة بين من تبني عقول واوطان وبين من تهدم كل شي جميل حتى الدين والوطن!!

سؤالي لك اخي القارئ: اي غذاء فكري يستطيبه عقلك وتقر به عينك وبه تتحرك بين الناس وتفتخر به يوم غدك عندما تقف امام ربك.