آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 2:32 م

النزاهة «ضد» الفساد

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

الفساد من أكثر الانحرافات السلوكية والإدارية التي تهزم مناعة التنمية وتحرم الوطن والمواطن من استحقاقات النمو الطبيعي وتوظيف القدرات والامكانيات في المسار الصحيح الذي يفترض أن يصل الى محطة الرفاهية للفرد والمجتمع، ولذلك فإنه جريمة عظيمة تنطوي على خيانة الأمانة والثقة بسبب أن النفس الضعيفة أصبحت معرضة لاختراق الرغبة الذاتية في الحصول على مكاسب خاصة على حساب العامة.

التعريف العلمي لظاهرة الفساد المالي والإداري يشير الى أنها تصدر من الموظف العام أثناء تأدية العمل بمخالفة التشريع القانوني وضوابط القيم الفردية، أي استغلال موظفي الدولة لمواقعهم وصلاحياتهم للحصول على مكاسب ومنافع بطرق غير مشروعة، والفساد المالي يتمظهر في الانحرافات المالية ومخالفة الأحكام والقواعد المعتمدة في تنظيمات الدولة «إدارياً» ومؤسساتها مع مخالفة ضوابط وتعليمات الرقابة المالية، وهي ليست ظاهرة محلية ولا تقتصر على دول العالم الثالث كما يردد البعض، فالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون صرح خلال جلسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالمنظمة الدولية بأن الفساد منع 30% من جميع المساعدات الإنمائية من الوصول الى وجهتها النهائية، وفي سنة 2011 أثار الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ضجة كبرى حيث كان متهما في قضية فساد مالي ضخمة.

وعلى المستوى المحلي ربما كانت حادثة سيول جدة هي البداية الحقيقية التي جعلت العيون تتجه الى هذا الملف المغلق، ما ألغى فكرة الحصانة التي رسخت في عقلنا الاجتماعي تجاه المسؤولين، بحيث كنا نظن أن المسؤول شخص له من المكانة ربما بحيث لا يمكن محاسبته بحكم منصبه لذلك كانت تقع الكثير من الأخطاء وتضيع الحقوق.

بتاريخ 13 - 4 - 1432هـ صدر مرسوم ملكي سامي بانشاء هيئة لمكافحة الفساد في المملكة تحت مسمى «نزاهة» وذلك بهدف حماية النزاهة، وتعزيز مبدأ الشفافية، ومكافحة الفساد المالي والإداري بشتى صوره ومظاهره وأساليبه، ومنذ تأسيس هذه الهيئة ونحن نرى نشاطا قويا من قبل رئيس الهيئة معالي الأستاذ محمد بن عبدالله الشريف، وبدأت بعض قضايا الفساد تطفو على السطح ونسمع بها، ما جعل المواطن يستبشر خيرا ويشعر بنوع من الثقة والاطمئنان ويأمل بمزيد من عمليات الإصلاح الإداري في الأجهزة التنفيذية، وما قام به رئيس الجهاز من الالتقاء بالجمهور وجها لوجه من خلال نادي الرياض الأدبي كان خطوة مهمة لتعزيز شعور المواطن بقربه من المسؤول.

الصورة الذهنية النمطية الراسخة في عقولنا بدأت تتحطم عن مسؤولي البروج العاجية لنرى مسؤولين يمدون يدهم للمواطن ويسمعون شكواه بشكل مباشر، وهذا ما كنا ننتظره، فالمبادرة التي أطلقها معاليه من أن الشعب شريك في مكافحة الفساد من خلال الإبلاغ عن التجاوزات خطوة فعالة في اتجاهين حيث تتيح للمواطن أن يستشعر أهميته وأن له حقوقا يجب ألا يتغاضى عنها وفي ذلك نشر لرسالة حقوقية كانت تنقص المجتمع، بالإضافة الى أن ذلك يشعر أي مسؤول بأنه ربما يتعرض للمساءلة في أي لحظة إذا سولت له نفسه أي تجاوز أو عبث، وتلك هي الغاية من الشفافية التي تجعل جدران العمل العام زجاجية والعمل صافيا كالماء، وحين تؤسس مؤسسات رقابية نافذة مثل «نزاهة» فإن ذلك يسد ثغرات ذلك العمل ويحمي الحقوق ويحاصر الفساد ويهذب الممارسة الإدارية.