آخر تحديث: 21 / 6 / 2018م - 8:18 م  بتوقيت مكة المكرمة

إشكالية المعرفة البشرية

حسين نوح المشامع

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ‌ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا «36» سورة الإسراء.

«حسين مصباح هدى وسفينة نجاة» رسول الله محمد المصطفى ﷺ

«تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر» مقولة غاندي المعروفة *.

عقدت هذه الحلقة في بداية شهر جمادى الآخرة من السنة 1439 هجرية، وبعد الالتحاق بمشاة مدينتنا، عندها أصبح الاستيقاظ باكرا إلزاميا للتواجد والمشي على احد شواطئنا الجميلة بعد توصيل ابنتي إلي مقر عملها.

وعلى غير العادة كانت المناقشة في موضوع هذه الحلقة خلافا للحلقات السابقة التي كانت إما جلوسا على الأرض داخل أحد البيوت بين أربعة جدران، أو في البرية داخل خيمة حول موقد النار، أو داخل السيارة ونحن ننتقل من والى المدرسة.

فكانت المناقشة على الماشي كما يقولون، أي كنا نناقش موضوع هذه الخلقة ونحن نتنقل رياضة على الشاطئ ذهابا وإيابا حتى نمل ونعجز عن مواصلة المسير، أو يبتعد احد الحضور ليلحق بموعد هام.

ولطول الناقش والأخذ والرد وارتفاع الأصوات في بعض الأحيان لإثبات فكرة أو تفنيد رأي يلتحق بنا آخرون أخذتهم موجة النقاش حتى أنهم ينسون أنفسهم وينسون ارتباطاتهم الشخصية لشدة انغماسهم وانشدادهم.

ففتح احد الحضور النقاش بالسؤال التقليدي، ما هو جديدك في هذه الحلقة؟

جديدنا في هذه الحلقة الحسينية، هو البحث عن قانون يفسر الثورة الحسينية، ويستطيع أن يضعها في احد مجالات المعرفة البشرية.

ماذا تقصد بهذا الكلام، أوضح لنا، فلقد كنا موقنين أننا نعرف نهضة الإمام الحسين حق المعرفة؟؟

إن ما تعرفونه وهو طبقا للمعرفة الإسلامية صحيحا ويكفيكم ذلك «من أن الإمام الحسين رأى أن تكليفه الشرعي هو الخروج على حاكم زمانه المنحرف عن الدين وعن الإنسانية حتى لو يقتل».

إلى ماذا تهدف من وراء هذا البحث؟!

هدفي هو توضيح أن كلام كهذا يقتنع به المسلمون من الشيعة ومحبي الإمام من الأخوة السنة فقط، أما العقول العلميّة والمناهج العالمية فلا تشتريها بالقطمير هي «اللفّافة التي توجد على نواة التمر».

ولماذا لا يشترونه بالقطمير كما قلت؟!

لأنهم لا يعرفون كيف ينظرون إلى شهيد كربلاء كما تنظرون له انتم ليتمكنوا من تقييم موقفه.

وكيف لا يتمكنون من تقييمه، أليس الإمام قد ثار من اجل نصرة الحق وإرجاع إنسانية الإنسان؟!

كلامكم هذا صحيح، لكنهم ينظرون إلى نتائج عمله ذاك؟!

فإذا كان رجل ثورة فثورته لا يعترف بها كثيراً علم الثورات المطروح!

وإذا كان رجل سياسة، فهل له نظرية سياسية معروفة يمكن تطبيقها؟

وإذا كان رجل اقتصاد، فهل له نظرية اقتصادية في عدالة توزيع الثروة؟!

وإذا كان رجل اجتماع، فكيف انتهى به الحال أن يكون هو وأسرته منبوذين من الآخرين؟! أما هو فقط رجل وعض وإرشاد؟!

إذا بناء على أي نظرية يقيم هؤلاء أبا السجاد ؟!

إنهم يطبقون عليه النظريات المعرفية البشرية التي اكتسبها الإنسان على مر السنين من الدول والإمبراطوريات السابقة.

وهل يمكن الطعن في نظريّة المعرفة البشرية المطروحة مع أنّها أثبتت جدارتها المذهلة في تشكيل المجتمع والتاريخ كما نشاهد في العالم الحاضر اليوم؟ *!

لكنها نظريات أخذت من دول وإمبراطوريات ماتت وانقرضت؟!

هذا ما نريد الوصول إليه.

كنك تحاول الإيحاء لنا بأن هناك مشكلة أمام تطبيق قوانين المعرفة البشرية على ثورة الإمام الحسين ؟!

صدقت، فتطبيق هذه القوانين على ثورة أبي الأحرار يواجهها مشكلة عويصة.

وكيف ذلك؟

فكر الإمام باقي ما بقى الدهر، ومن يهتدي بهديه ويتبع أثره يزيدون يوم بعد آخر، حتى صارت أمة مليونية.

هذا يعني أن فكر الإمام دائم باقي حي، في المبدأ المنتصف والمنتهى، ومن يعاديه انتهى وبلعته مقبرة التاريخ ولا وجود له على ظهر البسيطة.

هكذا هو، وإلا لما كان المتوكل ومن جاء بعده من طواغيت الأرض يخافون من قبته، بل لماذا يصل ما يقومون به إلى حد قطع الرؤوس وفصل الأيدي؟! ولماذا مليارات الدولارات المرصودة من قبل مصانع التخطيط الإستكباري من أجل تنشيط مقولة الطائفيّة في محكّها الحسيني بين السنّة الشيعة.

إذا هذا يعني أن قوانين المعرفة البشرية ناقصة عاجزة عن تقييم الثورة الحسينية، ويتوجب على المحققين والمفكرين استبدالها بما يناسب ديمومة واستمرا فكر أبي الأحرار .

نعم، لان ما هو عاجز وميت لا يستطيع تقييم ما هو دائم ومتجدد ونامي نمو الحياة وديمومتها. وهذا يشمل المعرفة السياسية، والاجتماعية والاقتصادية والأدبية وما إليها.

مع أن أبي عبدالله ليس بحاجة إلى ابتكار قانون أو الكشف عن نظرية علمية من أي نوع، لان الله تعالى أسمه بالدين الإسلامي الحنيف قد تكفل بكل ذلك وثبته في القرآن الكريم المنزل على النبي محمد المصطفى ﷺ، ولكن ما ينقص الناس هو تطبيق ذلك على ارض الواقع لينعم الناس في الدنيا والآخرة. كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَ‌اةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّ‌بِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْ‌جُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ‌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴿66 سورة المائدة

وعلى هذا الأساس البقاء النّابض النّامي المستمرّ لابد أن يقيمه ما هو باقي نابض مستمر مثله، إذا لابد من إعادة تقييم هذه القوانين بما يلاءم ذلك، وإلا البشرية في خطر كبير لا تستطيع الخروج منه!!

عندها قال احد المشاية: أعتقد إننا هنا قد وصلنا إلى مبتغانا من الموضوع، ووصلنا إلى نهاية دورتنا ويتوجب علينا الالتحاق بارتباطاتنا الأخرى، نراكم في الغد إن شاء الله.

* «ديمو تاريخ الرسول محمد ﷺ وديمو تاريخ الحسين ».