آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وداعا أيها القمر

المهندس شاكر آل نوح

برغم مرضه العضال وبرغم طول فترة علاجه، فقد نزل نبأ وفاة العم الغالي ابو حسن كالصاعقة على رؤوس الجميع من هول الصدمة ولعظم مكانة الفقيد وما سببه رحيله من جرح كبير وألم شديد في النفوس، وكما يقال «و في الليلة الظلماء يفتقد البدر».

فالفقيد الغالي لم يكن شخصا عاديا بل كان رجلا مميزا في كل شيء فهو رمز وطني واجتماعي بامتياز والجميع يعرف مواقفه الوطنية الشجاعة ودوره الإجتماعي البارز، فكان مشاركا في جميع المحافل الوطنية والمناسبات الإجتماعية، محبا للخير مبادرا لصنع المعروف، مقداما جريئا في العمل.

فهذا الرجل لم يدخل المدارس التقليدية ولم يدرس المناهج التعليمية ولا المقرارت المدرسية بل ولد ونشأ في بيئة قروية بسيطة ولكنها غنية بالقيم الرفيعة والمبادئ السامية، فعركته الحياة بمرها وحلوها فتخرج من مدرسة الحياة محملا بكل معاني الأخلاق الحميدة والخصال الأصيلة والسجايا العريقة، فعندما تجلس في مجلسه يأسرك بجميل حديثه وثراء فكره وحكمة مقاله ورقي مفرداته وكأنك أمام رجل مثقف من الطراز الأول، فحديثه كله حكم ومواعظ ودروس وعبر من حوادث التاريخ وقصص الحياة وتجاربها، مطعمة بأبيات من الشعر النبطي الجزل الجميل، كان بشوش الوجه والبسمة مرسومة على محياه.

كان جواد كريما حسن المعشر سهل العريكة طيب القلب صافي السريرة راق في تعامله حريص على مواصلة اهله وأصدقائه ومعارفه حتى في اوج مرضه، مثقف في حديثه مؤدب في خلافه متواضع في حياته.

يشارك ويساهم في معظم المشاريع الخيرية والإجتماعية وهو في منتهى السعادة، لا يتوانى عن مساعدة من يقصده بدون تمييز، وهناك كم كبير من الأسر المعوزة التي كان يعولها بكل سرية.

كان متواصلا مع جميع المسؤلين في الدولة لخدمة المنطقة ومعالجة مشاكلها وقضاياها بكل تفان وإخلاص.

وفي مجال الأعمال كانت له صولات وجولات اتسمت بروح المعاصرة والمبادرة وكان له السبق فيها وكان جريئا في اتخاذ القرارت وقد قدم اضافات نوعية في خدمة المجتمع وحقق نجاحات عديدة، وترك بصمات عديدة.

وحتى في فترة مرضه الشديد كان يحاذر على ايلام من حوله، فتراه دائم الإبتسامة برغم ما يعتصره من ألم شديد ولكنه لا يبديه لمن حوله حرصا منه على الا يتألموا.

فمثل هذا الشخص لا بد انك تشعر بالألم والحسرة على فراقه ورحيله من المشهد بهذه السرعة في الوقت الذي نحن في امس الحاجة لأمثاله من الرجال الحكماء الخيرين.

ولكن عزاؤنا ما تركه من ارث عظيم من المواقف والأخلااق الحميدة والسجايا العطرة والمآثر الجميلة، فهي كفيلة بأن تحافظ على سيرته في سجل الخالدين، وكذلك اخوانه الأعزاء وأبنائه البررة الذين نهلوا من مدرسته وسلكوا مسلكه وهم بحق يسيرون على نهجه حتى يحافظوا على هذا التراث الضخم من الفضائل الكريمة.

يا ابا حسن نعزي فيك انفسنا

يا ابا حسن ما عهدناك الا رجلا وطنيا في اقوالك وأفعالك وعلاقاتك الممتدة من شرق الوطن الى غربه ومن شماله الى جنوبه، مشاركا في جميع المحافل الوطنية والأحتماعية.

ما عهدناك الا مقربا بين الأهل والأصحاب، داعما للشباب، رابطا بين الجميع، ساعيا للم الشتات.

فمثلك يا أبا حسن، لا يموت بل يحي كل يوم من جديد بفضل افعالك الخيرة ومآثرك الطيبة التي تسجل بأحرف من نور ومهما قلنا فلن نوفيك حقك يا ابا حسن.

فهذه الصفات من النادر ان يحتويها شخص واحد فانت حقا من النوادر الذين انجبتهم المنطقة

فالذين يخطون سيرتهم بمثل هذه الأعمال لا يموتون بل يخلدون في قلوب الشرفاء.

وكما قال الشاعر «ما مات من مات محمودا خصائله.. بل مات من عاش مذموما من الكذب»

وقد رأينا كيف كان الوفاء في رحلة الوداع حيث خرجت الألوف المؤلفة في موكب التشييع في يوم الثلاثاء ورأينا افواج المعزين في مجالس العزاء تفد من كل حدب وصوب وترى الألم يعتصرهم لفقد ابا حسن، فهنيئا لك هذا الحب وهذا الوفاء.

وفي الختام لا نقول الا وداعا ايها الرمز الخالد وداعا ايها القمر ونسأل الله العلي القدير ان يعوضك بالجنة ونعيمها ويحشرك مع الأنبياء والصديقين والشهدا والصالحين وحسن اولئك رفيقا.