آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

عابد العمل!

فوزي صادق *

شغوف بعمله حتى الثمالة، ويفني عمره من أجل أرضاء شئ ما بداخله، ودائماً ترجح كفة العمل على كل متطلبات الحياة، حتى وإن كان في الكفة الثانية ما أمر الله به أن يوصل، إذ يغادر منزله السادسة صباحاً، ويتجه إلي مكتبه بالشركة الحكومية العريقة التي أنضم إليها قبل سبع سنوات، وأخذ على عاتقه أن يخلص لعمله حتى درجة العبادة، وأن يغلق هو بوابة الشركة الرئيسية، وحتى بعد خروج رجال الأمن، الذين اندهشوا من خروجه المتأخر حتى بعد العشاء! فأخبروا رئيسه، والذي قال: إن وقت نهاية الدوام حتى الثالثة والنصف عصراً، وهو ليس مجبراً أن يتأخر بالشركة، لكن ربما هو يحب العمل بشغف وجنون، وأنا لا أستطيع أن اجبره أن يترك المكتب، فسألوه، وهل يحصل على مقابل العمل الإضافي، فأجابهم «لا»، لأن العمل ليس بحاجة إلي ذلك، وهو حر في نفسه!

له من الأبناء صبي في الثامنة، وصبية بالخامسة، وعند بداية فصل الدراسة الحالي، خطط الأبن أن يفاجئ أبيه الذي لا يلتقي به إلا نادراً، إذ يعود الأب الي البيت بعد العشاء والأبن نائم، وفي الصباح يخرج، وهو نائم أيضاً، ويمر الحال هكذا اليوم تلو الأخر ولا يرى الأبن أباه.

يوما ما، قرر الأبن تنفيذ المفاجأة، فذهب وأمه مع السائق إلي السوق الكبير، واشتروا بعض الحاجيات، وفي اليوم الثاني، أتصل بمكتب أبيه، فسمع صوته، وضحك فرحاً وهو يكلمه، فقال لأبيه: بابا، أرجوك عد اليوم بعد المساء مباشرة، ارجوك نفذ طلبي، ففكر الأب لحظات، وأجابه بنعم، فطلب الأبن من أبيه أن يحضر معه أندومي، وبعد إلحاح منه وافق الأب.

لسوء الحظ، حصل ضغط بمتطلبات العمل، وأمروا الأب أن ينهيه هذا الأسبوع، لكن لا يتطلب الأمر البقاء، فأصبح الأب مخيّر، فقال في نفسه: أكمل عملي فقط نصف ساعة، ومع المماطلة، وإذا بها السابعة بعد العشاء بالتوقيت الشتوي، فهرول مسرعاً نحو سيارته، ثم أتجه إلي السوبرماركت لشراء الأندومي.

من جانب آخر، كان الأبن ينتظر بلهفة عودة الأب، والدموع تملأن محاجر عينيه، فظل جالساً عند باب العمارة التي يقطناها، وهو ينظر يمنة ويسرى، لعله يلمح سيارة أبيه، فنفذ الوقت حتى الثامنة، وإذا بصوت أمه الشجي يناديه من خلفه « هيا أدخل بني، سيتأخر أبوك كعادته »، وعند حلول الثامنة، دخل الأب البيت، فشاهد الأم حزينة وكأنها بعزاء! والشقة تملأها الزينة، من الباب الرئيسي حتى المطبخ، وفي منتصف البيت، شاهد طاولة مزينة ومزركشة، وفوقها كعكة كبيرة وقد كتب عليها أسم الأب مع صورته، فسأل زوجته: ماذا يحدث هنا؟؟، فقالت: أراد أبنك أن يعملها مفاجأة، فأول أمس هو يوم عيد ميلادك، فأصر على أن يعمل حفل يليق بك، فأشترى الزينة، ودعى عدد من أصدقائه، وأنتظروك حتى عجزوا صبراً، فعادوا إلي بيوتهم، وجلس هو عند باب العمارة والهدية التي أشتراها لك بين يديه، وكأنه لم يقطع الأمل بلقاءك، فتارة ينظر للهدية، وتارة ينظر للشارع، لكن هيهات! هيهات!، فعاد أدراجه حزيناً، وهاهو نائم بغرفته، فسألها: ولماذا طلب الأندومي، ويستطيع شراءه معك أو مع السائق، فقالت وهي تبكي: أخبرني إنه يتمنى أن يأخذه من يدك وأنت داخل البيت.

خطوات الأب متجهة نحو غرفة الأبن، وشهيق صدره يكاد يسمع من خلفه، فإذا به يرى أبنه نائماً وبيده الهدية، فرمى بنفسه نحوه، وأحتضنه وهو يبكي، ورمى جهاز الموبايل الذي بيده أرضاً، فأخذ بضرب رأسه وصفع وجهه وهو يصرخ: « سامحني بني! سامحني!، حرام عليك، والله لن أعيدها! ».

كاتب و روائي - الدمام