آخر تحديث: 31 / 5 / 2020م - 11:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

تقليم الزوايا الحادة

المهندس أمير الصالح *

لعل الكثير ممن سافر او ابتعث لدراسة او عمل خارج نطاق مجتمعه او ساح في الارض او عمل مع زملاء متعددي العقائد والافكار والتقاليد، اكتشف مبكرا اهمية التعايش بالمشتركات الانسانية او الدينية او الاخلاقية او المصلحة المشتركة لكي يتأقلم في بيئة تنقلاته وتنقله وعمله وسياحته وانتدابه. والتكيف adaptability هي سمه تنم عن سعة افق ورحابة صدر وتعدد قراءات وحنكة وكما قيل قديما عن لسان الامام علي «آلة الرئاسة سعة الصدر» وهذا السمة اي سعة الصدر يقدرها البعض من البشر وقد لا يمتلكها الكثير من الناس.

لاحظنا ولاحظ الكثير من الناس ان خطابات النصف متعلمين والمتشددين واشباه المثقفين يشوبها الكثير من الزوايا الحادة في الخطاب والحديث والطرح والمطارحة اعتقادا منهم بانهم يملكون الصورة الكاملة للموضوع. وهذا ما يجعل الوسط المحيط بهم بين متشنج في التعاطي معهم او مترفع في التفاعل في اطروحاتهم او ألوذ بالصمت تجنبا لشرور قذفهم.

اذا ابتلى شخص عزيز علينا بهكذا لون من الحدية في التخاطب والخطاب، فما هي اساليب المعالجات بعد فشل النصيحة والمكاشفة معه والاهداء للعيوب؛ هنا قد تطرأ صورة ذهنية في المعالجة وهي ان نقترح على الشخص المبتلى بالحدية بان يدعيم كتاباته بالأدلة التي تستوجب عليه القراءة بعمق اكبر وهذا حتما يقلم الزوايا الحادة في كتاباته. من جهة اخرى نستحث ذاك الشخص بخوض التجربة الحية في التعايش مع الوسط المنتقد له ليكتشف عن قرب بواعث وتركيبات وفلسفة السلوك او الفكرة او الخاطرة او التأمل المنتقد.

لك ان تتخيل انك ليبرالي الايدولوجية والهوى ويقترب منك رجل دين مرموق ويطلب منك ان تلقي محاضرة في وسط ديني عن «لماذا لا تكون متدينا» في بيئة فضاءها ملتزم بما يراه انه دين والعكس ايضا صحبح تخيل لو انك متدين ويطلب منك رجل ليبرالي وجيه في ان تطرح اُمسية او محاضرة على اسماع ليبراليين بعنوان «لماذا لم اقتنع بالليبرالية» في وسط ليبرالي وقضاء عام ليبرالي.

قد يجول في بادي الامر لك ان تبحث عن عذر خشية ان تقع في تصادم او المحظور عند الطرف الاخر وقد يتصاعد في ذهنك القلق فيما لو ان لك هواجس امنية من الفضاء المحيط بك وقد تشك بانه يُراد الايقاع بك.

وفي المقابل قد تجيير هكذا دعوة لصالحك وبذكاء بان تعمل قائمة المشتركات ويكون الطرح باب من ابواب التوطيد على توثيق المشتركات والعمل على تنميتها. وهذا يذكرني ب باب «ليكن بمعروف» في الفصل الثالث في كتاب «الشمس تشرق من الغرب».

لعل ما هو اهم من فترة تقليم الزوايا الحادة في الخطاب والتواصل اثناء ساعات العمل. او ايام السياحة او سنوات الانتداب او الابتعاث هو تقليم الزوايا الحادة اثناء التعاطي مع ابناء المجتمع الواحد. والعاقل خصيم نفسه وايصال اهدافه دونما اراقه ماء وجهه او وجوه الاخرين من حوله او التصادم في كل شيء حوله.