آخر تحديث: 15 / 7 / 2018م - 11:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

مأسسة الفتوى وضبط انفلاتها!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

كثيراً ما كانت النصوص الدينية مجالاً مفتوحاً أمام اقتناص الجماعات الأصولية لها، بغية تطويعها، وإعادة إحيائها خارج سياقاتها الزمانية والموضوعية، وتنزيلها في أحداث وموضوعات وعصور لا تتواءم معها. أو استخدامها كنصال وسيوف مشحوذة ضد الآخرين.

استغلال النصوص لاستصدار الفتاوى بات أمراً أساسياً لدى التنظيمات الحركية الإسلامية. فاغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات، أو محاولة قتل الروائي نجيب محفوظ، وصولاً إلى المجازر التي ارتكبتها «الجماعة الإسلامية المسلحة» في الجزائر، والعمليات الانتحارية التي تنفذها «القاعدة» و» داعش»، جميعها كانت بناء على فتاوى استخدمها الإرهابيون.

هذا النمط من الافتاء الاعتباطي، الذي يبحث عن النص الذي يبرر العمل الحزبي، فضلاً عن كونه يناقض أبجديات الاجتهاد وأصول الاستنباط الفقهي لدى العلماء المسلمين، هو أيضاً يعارض مفهوم الدولة الحديثة ومدنيتها. وهي دولة تقوم على مبدأ مأسسة العمل وتنظيمه وفق قانون ضابط يخضع له الجميع، ويكون هو المرجعية العليا للدولة.

من هنا سعت العديد من الدول إلى محاولة ضبط الفتاوى من الانفلات، ومأسسة الإفتاء، كي لا يكون مساحة لاستغلال المجموعات العنيفة، والفاقدين للأهلية العلمية.

دولة الإمارات، وفي يونيو الماضي، اعتمد مجلس وزرائها تشكيل «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي»، برئاسة الشيخ عبدالله بن بيه، ومشاركة عدد من ذوي الاختصاص بينهم نساء.

العلامة بن بيه فضلاً عن تمكنه العلمي، يمتاز بوعي بأهمية تطور الفقه وعدم جموده، وأن تبدل الزمان والمكان يؤثّر بشكل مباشر في الأحكام وتنوعها. أضف لذلك بعده عن التشدد، وإيمانه بخطاب ديني أكثر تسامحاً وانفتاحاً. فهو أيضاً رئيس «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، المعني بتجاوز الانقسامات المذهبية، وتخفيف حدة الاحتقان الطائفي.

هذه الخطوة الإماراتية سبقها أيضاً تأسيس «مجلس حكماء المسلمين»، برئاسة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب. وهي جميعها مؤسسات تهدف لنقل الفقه والخطاب الديني من التعاطي الفردي الذي كان متوافقاً مع ظروف الأزمنة السابقة، إلى مستوى آخر، يتلاءم وانتقال المجتمعات العربية إلى حال الدولة المدنية الحديثة.

تخليص «الإسلام» من أيدي المتطرفين ليس مهمة سهلة. ولذا تحتاج أيضاً إلى جهد سياسي ودبلوماسي مكثفين.

زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد إلى الفاتيكان، ولقائه البابا فرنسيس، وتأكيدهما على أهمية الحوار بين الأديان وتعزيز قيم التسامح والتعايش بين الشعوب، تأتي ضمن العمل الإماراتي لإعادة الاعتبار ل» إسلام منفتح على الآخر»، متأنسن، لا يرتاب من المختلف معه عقدياً، بل يسعى لأن يخلق مشتركات بين الديانات والثقافات المتنوعة، لتقليل مخاطر الصدام والحروب في العالم.

طالما كان الخليج العربي في العقود الماضية مساحة هانئة للتعايش بين مكوناته المختلفة، وحماية هذا التعايش وديمومته، تحتم منع استغلال الفتاوى في ضرب السلم الأهلي أو تكفير وتفسيق المجتمعات، وهي مسؤولية تحتاج إلى عمل مستمر وجهود مشتركة أهلية وحكومية.